Tuesday, October 08, 2013

Re: Tuesday, Oct8, 2013


Re: Tuesday, Oct8, 2013



1
بعد 3 ساعات عسيرة، أصل، مفككة مرتعشة الأطراف، بأعصاب منهكة بسبب القيادة الحمقاء للسائق المتهور. أجد صعوبة في الدخول من بوابة الجامعة الرئيسية. وفور وصولي للكلية أجلس بجانب المدخل وأرطب وجهي بالمناديل المعطرة، أتجاهل الرسالة التي تصلني الآن على الموبايل لأسمع فيروز بنكهة الجاز في نغمة الرسائل "باذكرك بالخريف" لعلها تمحو الضوضاء القبيحة.
5 دقائق فقط التي جلستها.. و5 دقائق هي مدة الأغنية
"القصة مش طقس يا حبيبي.. هي قصة ماضي كان عنيف"
أستعد للدخول ولسان قلبي: يا رب يا كريم. 
أفتح الرسالة لأجدها: لا يوجد محاضرات اليوم...!!! أريد أن أبكي، أصرخ، أغضب، أضرب أحداً
ألف حول نفسي في مكاني باحثة في الوجوه عن أحد مصدوم مثلي.. لا أجد
أتذكر وصايا رسول الله بتغيير الوضع فور الغضب. فأغيّر مكاني وأجلس على سور حوض الزرع.. ثم أقوم أمشي لكن لا حركة تغير شيئا، فالأمر تعدى الغضب، وداخلي إحساس بالقهر والعجز غير المستسلم مما يزيد صعوبة تقبلي لما يحدث.

2
أمشي في طريق الجامعة المغلق بالأسلاك الشائكة وقوات الأمن. يثير حزني الإحساس المختلف الذي أكنّه الآن تجاه كل ما يحيطني. ويثير اشمئزازي البنات بخطواتهن المتثنية المائعة أمام قوات الأمن المركزي وتبادلهن الضحك مع أفراده استجابة للمعاكسات الفاحشة التي تلقى عليهن من فوق المدرعات.
تؤلمني قدمي فأدرك أنني أسير بخطوات واسعة سريعة يثقلها الغضب. ينفك رباط الكوتشي، أتجه للرصيف الفاصل بين الطريقين الخاليين إلا من المارة وقوات الأمن وأميل في نصف جلسة لأعيد ربطه. أنتبه أنني الآن هدف سهل الإصابة! يقف أمامي ضابط أمن مركزي، أرفع رأسي لحظة نحوه دون أن أغير وضعي: ينفع أربط الكوتشي بدون قنص؟ لا أهتم بابتسامته وإن كانت أدلتني أنه لم يتدنس بالكامل بعد مثل الآخرين.
 
3
أتذكر صورة نشرها موقع ناشيونال جيوجرافي بالأمس للشمس في نشاط إشعاعي جعل لونها أزرق ناري!! ألعب اللعبة التي فعلتها بالأمس فور مشاهدتي لها؛ أتخيل لو شعاع الشمس أخذ تلك الدرجة الفتاكة من الأزرق وانعكس على شارع الجامعة بما فيه من ناس وقوات أمن مركزي وجيش..!! فأعدت تلوين الأسفلت الكالح، وزي عساكر الأمن السوداء الباهتة ومموه جنود الجيش، والوجوه (البيضاء الشاحبة، والبيضاء تخالطها حُمرة، والسمراء المائلة للأصفر، والسمراء الداكنة كشوكولاتة سوداء) ولبس البنات الفسفوري. أتخيل لو معي سكانر مبتكرة تنسخ الصور العبثية الجنونية التي تراكمت في رأسي. ماذا لو شاهدها سلفادور دالي عميد السريالية؟؟

4
أتذكر جنود آخرين أراهم في قوات حفظ السلام والجيش الأمريكي وسكوتلاند يارد. أتساءل عن "الشيء" الذي تقدمه بلادهم لهم فيحولهم لمدرعات آدمية ليست في حاجة لحمل سلاح. أشعر بألم مزعج في جبهتي من التكشيرة المزمنة التي لم أحاول أن أفض اشتباك خطوطها ولم أتورع عن النظر لكل من ينظر إليّ بغضب. تقع عيني في عين جندي جيش، ألمح هالة سوداء تحت عينيه، هي نفس الهالة التي حطت على وجه أخي المجند، فتحولت عيناه الواسعتان الوهاجتان لغائرتين باهتتين.
تكسر موجةُ حزن نظرتي الغاضبة.. أنت هنا أيها المجند مجرد أداة تنفيذ.

5
لم يكن في حاجة للنظر في المرآة ليراني كل خمس دقائق. لقد أوصلت رسالتي بوضوح ولم يجد ردا غير البرطمة بأسئلة لا معنى لها: "يعني أعمل ايه يعني ما هو الطريق واقف"؟
أرد عليه بيد واحدة بإشارة الاستقامة قائلة: "تمشي هكذا" وليس... ثم أحرك يدي بطريقة ملتوية لأمثل حركة الأفعى التي يتخذها خطا لسيره. تتغير نظرته الحانقة ويبتسم!!د

6
أما كان من الممكن يا الله أن تجعل لنا إرادة نتحكم بها في السمع بحيث أغلق أذني كفمي فلا أسمع ما أريد؟ سؤال طرحته بسبب ما يديره السائق من أغاني مسيئة للإنسانية. لكنه يأخذني لتصورات في غاية العبث، سلطتنا على ألسنتنا تجعلنا نعطل عمل أذنين وأحيانا عقل وأدب، فكيف إن صار لنا سلطة على الأذنين. إذن، أما كان من الممكن يا خالقنا أن تجعل أذواقنا كلنا واحدة؟! أتصور أننا كنا سنغرق في صمت أسود. أكف عن المهاترات الفكرية التي ألجأ لها لتشتتني عما يجري حولي، وأتأمل تلك النوعية النادرة من البشر، أفكر في أعصابهم الفولاذية ونفسيتهم، وما الذي يشوههم لمسوخ جبارة. أبدأ بالفقر، وأنتهي بالمواد المخدرة التي تدمر الأعصاب فيتحول وصفي من "مسوخ جبارة" لــ "مسوخ بائسة" وتحل الشفقة بديلا عن الحنق والغضب الذي كنت أشعر بهما نحوه.. السائق.

7
أصل لميدان الحصري الذي زاره القبح.. ألاحظ أن غضبي جعلني أركز على السوء المحيط بي وظهر في تعليقاتي التي أصدرها بيني وبين نفسي. أعترض: ليس لأن نهارِك اليوم كان سيئا غير موفق وغير مثمر أن يكون الليل كذلك!! لتبحثي إذن عن مصانع الراحة والبهجة، أفتح حقيبتي وأرش في يدي من عطري وأستنشقه لأزيل ما علق بأنفي من رائحة عوادم وتراب.. وكان ذلك أول باب!!د