Monday, July 31, 2006

أبو أجمل وأذكى عيون بنية... يارب ما تروح

أبو أجمل وأذكى عيون بنية،د
يارب ما تروح


اتكأ على جانب السرير فلم يسع السرير قامته الفارعة، فهو ما شاء الله أطول أخواتي. بصيت عليه سريعاً وأنا مارة في الصالة
تركته مع نفسه قليلاً فشكله يوحي بأنه لا يريد الكلام
لم أستطع تركه هكذا فدخلت وجلست بجانبه أنظر إليه بدون كلام
عدّل جلسته ورفع عينيه متثاقلاً
ابتسمت
رد الابتسامة بدافع الواجب والاحترام
مالك يا ميدو؟
رفع يده بإشارة لامبالاة حادة

سكت وأنا عمالة أبحث عن خيوط ملونة ومتعددة للكلام لأخرجه مما فيه بعد أن أعرف أولاً ماذا به. فالحديث مع أحمد أخي -الذي سيكمل العشرين الشهر القادم- في تلك الحالة ليس بالأمر الهين، ومعرفة ما به من أصعب الأشياء لأنه كتوم لأبعد الحدود وحتى إن أراد أن يبوح لي فقد لا تسعفه الكلمات.. وأحياناً يقول لي: يا بخت الناس اللي بتعرف تحكي وتفضفض!د

تركت السؤال عنه ولم ألح عليه.. وبدأت أحكي له عن أحداث شغلي في ذلك اليوم، وحكيت له مين اللي جاء المجلة، ومين اللي كتب مقالة حلوة، ومين اللي تصرف تصرف مش لطيف، وما أكلنا في البريك... وحكيت له عن مقال إبراهيم عيسى "مصر تتصل" وقرأت له منه السطرين اللي فيهما الإفـّـيه... فانفرجت أساريره بربع ضحكة ساخرة
فضلت أرغي وأخلّق الكلام والحواديت وهو سامع وساكت ومبتسم ابتسامة غلبانة ومستسلمة..
قلت له: هو أنا هفضل أحكي كده مع حالي؟! احكي لي بقى حصل لك ايه النهاردة، وايه اللي مضايقك؟؟
قال لي: أبداً مخنوق
قلت: أنا كمان مخنوقة بس مش عاملة أزمة... وبحاول أتعايش مع اللي خانقني. بس الأول أحدد ايه اللي خانقني وخانقني ايه وأنا ليّ يد ولا مش ليّ وأعمل فيه ايه

قال: مخنوق وخلاص.. الواحد نفسه يعمل كذا حاجة ومش عارف.. الحياة بقت زبالة!!د
قلت له: إنت ذكي يا ميدو... بس معلش.. اللي حصل من تقصير وإهمال منك في الدراسة مش هيتكرر.. المهم، إنك تعرف إنت قصرت في ايه وتقارن بين نفسك قبل كده ودلوقت.
عارف يا أحمد، إنت لو تسمع كلامي وكلام بابا والله هتعمل حاجات زي الفل... يعني أنا بشوف فيك فنان بس معطل.. يعني مش بذمتك لما نكون بنتفرج على حاجة في التليفزيون أو نشوف حاجة جميلة مع بعض، مش إنت الوحيد اللي بتاخد بالك معايا من غير ما أفضل أوصف وتطلع عيني في الشرح زي ما بيحصل مع محمد وعمرو؟؟
ضحك ضحكة أوسع وهو يتذكر طرائف محمد وعمرو أخواتي التانيين، وتعابير البَـلَه اللي بيمثلوها لما أتكلم عن أشياء جمالية في الكون.
بدأت شبابيكه تتفتح ببطء شديد وتردد...
قال لي: أنا نفسي أعمل مشروع بوتيك ورد... وهيكون تصميمه كذا وكذا... ونعمل فيه كذا وكذا.. مش هيكلفنا حاجة بس المشكلة بس في إيجار المكان... أنا مش عايز أأجر محل لأني هعمل المحل بنفسي.. أنا هأجر مكان بس.. وبعدين الحي السابع (6 أكتوبر) بقى زحمة... والواحد الأول عليه إنه يختار مكان عمران وقريب من المول الفلاني
فرحت إنه بدأ يفك.. لكن فرحتي لم تكمل لأنه رجع تاني لحالة الملل والخنقة ورجع بظهره للوراء كما كان... وعلى وجهه كل علامات الأسى المترسبة من زمان

دمعت عيناه
عرفت ايه اللي دار في ذهنه ساعتها!! ومسكت دموعي بالعافية لأني أنا الأخرى كنت على الحرف.. وتظاهرت بعدم التعاطف. حدثته عن ماما الله يرحمها بصوت محايد وكيف ستكون راضية عنه لو رجع أحمد بتاع زمان ولو فكر صح واجتهد شوية

قال: بس.... عارفة.. عارفة يا دعاء لو الواحد يبقى.... ــــــــــــــــــــــــد
شجعته يكمل ويقول..
ضحك...
قال: لو أمسك رئيس مصر
ضحكت...
رفع يديه وكأنه يقول: طنشي..
قلت له: هاااه... لو تبقى رئيس مصر ايه اللي يحصل؟؟
قال لي: أنا بهيـّس
قلت له: وماله.. تعالى نهـّس مع بعض
بجد.. لو بقيت رئيس مصر تعمل ايه؟
رجع ميدو تاني المتحمس المتقد صاحب أذكى وأجمل وأطيب عين بنية شفتها في حياتي...
بصــّـي
أول حاجة، هنسف كل المدارس وأعيد بناءها من جديد.. وهازود عدد المدارس والفصول.. وفي الأول، هدّي للمدرسين فلوس كتير وهعمل عقاب للمدرس الفاشل والمقصر، والزي والكتب هيكونوا على حساب الدولة.. وهعمل رحلات كتيرة تعليمية وفسح.

تاني حاجة، هعمل مصانع الكترونيات وسيارات وأجيب خبراء أمريكان ويابانيين وبعدين أطردهم... أنا أضيق عيني استغراباً فيضحك.. مش قصدي أطردهم يعني.. هدّيهم فلوسهم وأمشيهم بعد ما أعرف منهم كل حاجة وبعدين أنا أطور على كيفي بقى. وكمان هعمل محطة فضائية لينا وأقمار صناعية بجد..

سكت شوية وهو يفكر... لم أشأ أن أقطع حبل أفكاره أو حتى أساعده
كمّـل وقال: لازم يكون فيه عدل..
سألته ازاي؟
قال لي: الناس الفقراء هدّيهم محلات في المدن الجديدة وأجهزها لهم عشان يشتغلوا..
سألته: اشمعنى المدن الجديدة؟
قال لي: عشان الزحمة
وهنضف الشرطة كويس أوي، وأدهن الأقسام باللون الأسود.. وهيكون عندي جيش محترم، وفيه أسلحة ثقيلة ونووية وبيولوجية وكده بس من غير ما حد يعرف عشان لو أمريكا أو أي حد قرّب أو عمل حاجة يلاقيني مش سهل!! وهالغي التلات سنين بتوع التجنيد

والمستشفيات بقى، هاظبطها وهاخليها زي مستشفيات السعودية نظيفة وحلوة.. والعلاج هيكون بفلوس للأغنياء بس. وهشيل العربيات الكارو دي وأجيب سيارات إسعاف مجهزة.

سكت وهو يدور بعينيه بخفة دم في السقف والجدران مروراً بي
والمدن.. المدن هاعمل فيها عمايل!!د
سألته: هتعمل ايه؟
بصي.. أولاً في المناطق العشوائية... هاعمل مسافات بين البيوت عشان الهوا يدخل
قلت له: طيب ما هي البيوت في المناطق العشوائية لازقة في بعضها
فقال لي: إنتِ مش واخدة بالك... ما هو أنا هاهدّ بين البيوت اللي لازقة في بعضها... وهاسفلت وهازرع بينهم.
الناس بقى اللي هديت بيوتهم هانقلهم في مدن جديدة..
هطوّر كل المدن الجديدة وهاخلّي الأبواب في وش بعضها.. يعني كل كم عمارة هيكونوا في وش بعض وهاسكّن فيها الناس..
سألته: ليه الأبواب في وش بعضها؟
قال لي: عشان الناس في المدينة مش بيعرفوا بعض.. وأنا عايز أخليهم يعرفوا بعض..
وكمان هعمل صرف للزبالة تحت الأرض

هازرع كل الشوراع وكل ميدان هازرعه بجد.. مش أحط أصائص زرع وخلاص. وهاطهـر النيل بالفنيك!! وهاصلّح الساعة بتاعة جامعة القاهرة... وهشيل علم إسرائيل من فوق البرج اللي قصاد الجامعة.. أصلاً، مش هيبقى فيه سفارة ليهم عندي.. وهقاطع أمريكا ومش هستورد قمح من عندهم... وهعمل جسر بين مصر والسعودية عشان الحج وكده..

وعارفة كمان، هعمل ملاعب كويسة... وهحضر الماتشات وأقعد مع الناس بالتيشيرت بتاع اللاعب اللي بحبه ومش هيبقى فيه مقصورة.. وكل ما الجمهور كان كويس ومحترم، هدّي له هدية....

سكت... وبرق ليّ بعينه كالأطفال...د
ضحك وضحكت وأنا سعيدة به ومتأثره لأني أعلم أنه في ذروة الكآبة
وقلت له: تصدق كلامك يستحق إنه يتكتب وكنت بالفعل بدأت أدوّن وراءه كل نقطة تكلم فيها..
قال لي مستتـفهاً ما قاله: سيبيكي... أنا مخنوق وبهيّس.. !!د
قلت له: لأ.. والله بجد يا ميدو... إنت تقريباً حطيت إيدك على أزمات كتير مخلية الحياة زبالة زي ما بتقول...

أحمد أخويا هو رقم 3 بعدي وبعد الباشمهندس محمد
أحمد خد امبارح "لائق" في الجيش بعد ما عملنا له "لجنة تظلّم".. وضيعوا أشعة ذارعه اللي تثبت إنه مكسور كسر شديد من ساعة حادثة ماما اللي يرحمها.. وكمان تبين المسامير اللي لسه جوه!!د

مش قادرة أتخيل إنك تروح الجيش يا أحمد
مش ينفعك... ولا إنت سهل الانقياد.. وبعد الكلام ده بالتحديد مش ينفعك.
مش قادرة أتخيلك هناك وإنت نفسك عفيفة وعندك عزة نفس تخليني مش أأمرك ولا أنهاك مباشرة.. وأنا أختك اللي بتموت فيك وبتحبها فما بالك بالغريب؟!!د

يارب محاولات بابا النهاردة تنفع يا ميدو قبل ما تاخد الجواب وتعرف السلاح
مش قادرة أتخيل إني أرجع البيت وأنا عارفة إني مش هشوفك إلا بعد كم أسبوع...
وامبارح لما رغيت معاك لحد الفجر مش كنت قادرة أصدق.. مع إنك كنت سلّمت أمرك لله بعد ما اتضايقت شوية وقلت –كبرياءً- أنا خلاص هادخل الجيش وهابقى كويس.. وأهي تجربة وأعيشها...

بدأت توحشني يا حبيب قلبي قبل ما تروح.. ويارب ما تروح



Friday, July 28, 2006

روح ومحبرة

روح ومـحبرة



أمسك بيدي اليمنى وفردها على راحته.. مرّ بإبهامه على أصابعي المنسابة واقترب منها بشفتيه. ظننت أنه سيلثمها.. حاولت التملص منه خجلاً وفرضاً، فلم يئن أوان ذلك بعد.. تفجرت من يديه قسوة لم أرها في عينيه ولا صدره أو ضحكته ولا في قصاصاته من قبل
خفت
لم أصدق
ارتجفت بين خيالاته المعتمة
أطبق على يدي وشرع في تمزيق أناملي وبترها تجزئة بحديدة مُشعّبة صدئة

اختار يميني
مزقها


لكي لاأكتب
أو أصف
أو أتفلسف؟!د
لكي لا أربت على أحد
أو ألمس وجه عابس ليبتسم
أو أدفئ بها البردانين كل صباح

لكي لا أكون؟!!د

تفشت في أطرافه هزاتٌ حانقة. اجتمع غلّها وشرها وشماتتها في نظرة عينيه المنطفئة وهو يتملّى في دمي الجاري. ولمحت على فمه عفريت ابتسامة نصر يعرف أنه كاذب. شخصت نحوه بعيني بعد أن أفرغ منها ماءها وفقأ فيها صورته.. ولم أكن أسمع مني سوى أنه ليس هو... ليس هو.... مستحيل يكون هو
وتشكّل دمي كلمات، وصوراً، وابتسامات بريئة، وملامح شفافة، ودموعاً عذبة ومالحة، وأحضاناً، وقصصاً، ولحظات وجود

ضحكت
ضحكت ملء عروقي الفارغة
ضحكت.. حتى مات الضحك مني
فهو لا يعلم أني أعطي، وأكتب، وأكون، بدمي وماء عيني

لا يعلم أنهما مدادي!!د

Sunday, July 23, 2006

( ــــــــــــــــ)

(ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ)
(ـــــــــــــــــــــــــ)
(ـــــــــــــــ)







لدي حالة من اللاشيء... تجمد، بلادة، تيه؟؟ لا أدري. قد تكون أشياء كثيرة افتقدت خواصها ومناسباتها التي توجد بها فصارت حالة مغرقة من اللاشيء!!د

أفتح التلفزيون لكي أقلق على لبنان أكثر، فأجد ما أعرفه وما لا أعرفه، وأرى نيراناً غريبة اللون ودخاناً ثخيناً أكاد ألمس له أبعادا ثلاثية على الشاشة
أحاول أن أخدع نفسي بأمل زائف... فأجد أنهم استنفدوا الزيف وغلوا سعره

أرى مبارك وعمرو موسى وعبد الله صالح وباقي الجوقة... كلهم موافقون على عقد قمة عربية -من حيث المبدأ- على سفح جبال لبنان، حول جذع شجرة أرز عارية، وراء ساتر أمريكي من نيران الإسرائيليين!!.. لكن: "لنتفق أولاً أننا سنخرج منها بنتيجة وقرار وليكن أننا نشجب اعتداء الجيش الاسرائيلي على المدنيين اللبنانيين، لكن لا مانع من غزو الشوارع واقتحام البيوت والدخول إلى الأرحام"!!د

أغلق فم التلفزيون الكذاب
أدخل السرير....
أغطي نفسي بملاءة مرقعة.. أجمـد دمـي الحامـي وأخبئ العــار وعروبتي تحت المخدة لأنـام


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, July 18, 2006

وجهٌ وعقِب

وجهٌ وعَقِـب




كنت أرفرف ابتهاجاً لما أسمع ضحكاته المجلجلة التي تطول حتى يحتدّ ويرفع صوتها و"يسرسع" فأضحك لأنها في حد ذاتها مضحكة
صارت ضحكاته، توترني وتشتت الهدوء الذي يعمُني، وتنزعني من نطاقاتي


كنت أنصت بخفة لوقع خطواته ودائماً ما كنت أشبهها بخطوات الجمل. كانت تحمل لي بشرى وبهجة.. فهي إعلان بسيط عن قدومه
أصبح صوت وقعها يوقع في قلبي الأسى والألم مما أتى منها، والقلق والخوف مما هو آتٍ وراءها أو ربما معها!!د


كنت من الدائرة التي ينزوي إليها ويحكي. وإن غبت عنها، كنت أدخلها بلا إذن ولا يهمني حتى وإن كان يهمس فقد كُشف عنا الحجاب
أما الآن، فقد صرت -قسراً- أكتفي بالمشاهدة دون الدخول.. أشاهد ولا أرهف السمع خوفاً مما قد يصلني!!د


كنت لما أنظر إلى عينيه أرى إشراقة الشمس في عز الليل وهي تحلم بغد جميل ويسير، وألمح قصصاً لم تكتب وحواديت لم يُفصح عنها. وأرى شراراً ينطلق من حماس غير مشروط وخفة ظل غير موقوتة

الآن، أنظر إلى عينيه فلا أراه ولا أراني ولا أرى النور!!د



*** *** ***


Wednesday, July 12, 2006

مصادرة

مصـادرة


مررت عليها فرأيت سحابة تعلوها.. أعرفها جيداً تلك السحابة ولا تخطؤها عيني أبداً؛ ركامية، ثقيلة، تنذر بهطول أمطار ساخنة

ربتٌّ عليها برفق متوجس، خوفاً من أن تهـزّ تربيتتي سحابتَها فتنهمر..
خلعتْ السماعة، وأنزلتْ الصفحة التي تكتب فيها في أسفل الشاشة
نظرتْ إليّ في صمت وكأنها تقول لي بخشونة: ماذا تريدين؟!د

سألتها: مالك؟!د
هزت رأسها في كل الاتجاهات وهي تضع الأسباب على كل الشماعات المعتادة: د
ملل، زهق، قلة حيلة، ازدحام الحياة بأشياء تقصّر العمر..
التزمني الصمت وهجرني الفضول الذي يحشر نفسه هنا عند أغلب الناس.. وتركتها تقول ما تريد أن تقوله مع أني لا أصدقها. ومع أني أحسست بما يشغلها فعلا، لم ألحّ عليها ولم أبح لها بما أحسسته... ولم أسلبها حقها في الاحتفاظ بتلك المساحة التي لا تريد أحدا أن يدخل فيها حتى وإن تبـدت له.

نفدت كل الشماعات منها وتجنبتْ النظر إليّ وهي تهـمُّ بوضع السماعة مرة ثانية إشارة إلى أنه لا يوجد شيء يستحق سؤالي واهتمامي، وأنها ستعود إلى ما كانت تقوم به، وأنه عليّ أنا الأخرى أن أعود أدراجي ولا أتدخل فيما لا يعنيني ولا يهمني... -في رأيها

قلت لها متفهمة: كلنا تلك الفتاة!!د
وربتّ عليها بلطف أكثر فانهمرت دموعها وهي تضيف "لأ والنهاردة كمان حصل وحصل وحصل" وشكت لي...


أخذتها خارج المكان. تماسكت وهي تقول بعد أن حاولت الإخفاء: أنا انتظرته كتيييييير يا دعاء

.....................
.................
.................
...................
..............

ضممتها وأنا أكاد أنفجر ولا أكاد أصدق وأكاد أنهمر أنا الأخرى بحوراً من الملح الساخن

كم هو ثقيل أن تحمل هـمَّ قلوب أخرى

وكم هو قاس ولا إنساني أن يصادر أحدهم مشروعَ إنسان داخل إنسان!!!د

Thursday, July 06, 2006

نسّـم علينا الهوا

نَسّــم علينـا الهــوا




علاني الصدأ وتمكن مني حتى خفت على نفسي من التآكل... لم أرَ البحر منذ 4 أعوام هذا إذا لم أحسب اليوم الجميل الذي قضيته مع أصحابي على رأس سدر السنة الماضية...
...بابا,, عايزين نقضي لنا كم يوم في اسكندرية ونعمل لنا تغيير...
...ما هي البلد أهي، أقرب وتعملي تغيير حلو وتحضري القطفة الأولى للعسل..
ويضحك بابا لأنه يعرف أن الكلام لا يروق لي

يا بابا والله باتكلم بجد.. ايه رأيك؟
وكانت سياسة "غلوش... غلوش" على الموضوع هي المتبعة من بابا تعقيباً على كلامي.
فقدت الأمل خصوصاً لما أتذكر أن أخواتي صبيان يعني براحتهم ويعني إنهم يقدروا في أي وقت يروحوا مع أصحابهم لأي مصيف.. بالإضافة إلى ما سبق، فثقافة التصييف –كما أسميها- ليست موجودة عندنا كأسرة..وذلك لأننا قضينا زمناً في مصايف جبلية جميلة في جبال عسير بالسعودية ولما كنا نأتي مصر لقضاء الإجازة الصيفية كنت أنا وأخواتي نستغرب من الناس التي تسافر.. فقد كانت مصر جميلة جداً في أعيينا ونحن نراها من فوق البرج
فوّضت أمري إلى الله ولم يمنعني تسليمي من الإحساس بغصة في نفسي وشيء من الأمل يراودني في أنني قد أري معشوقتي الاسكندرية قريباً.

وفي يوم من الأيام، اتصلت بي سمسم أو سماح أو جيرونيمو صاحبة فسيفساء.. د"دعاء، احنا مسافرين يوم الجمعة الصبح إلى جمصة وعايزاك معانا.. هنكون بنات بس.. أنا وإنتِ ودعاء أختي ومنى بنت خالتي وماما ونينة"د
جاءت من عند ربنا.. حمدت الله وفرحت مع إني متأكدة إن بابا لن يوافق.. وصعبت عليّ نفسي التي فرحت مع انعدام الأمل!!د

وجاء يوم الأربعاء وفاتحت بابا في الموضوع.. ليس من باب المحاولة والأمل في إنه يوافق.. أبداً والله.. بل من باب الإخبار فقط لا غير.. وكانت المفاجأة الثانية إنه بعد ما كشر وفكر ونظر لي شذراً وجزراً وسألني كم سؤال عن أخلاق صاحبتي –التي هي سماح- وغير ذلك من الأسئلة... ووافق. كتمت فرحتي خوفاً من إنه يرجع في كلامه في أي لحظة خصوصاً وإنه كان مخاصمني بسبب تأخيري في المجلة.

ظللت قابضة على أنفاسي إلى أن وجدتني بدأت بحمد الله وعونه في تجهيز أغراض السفر يوم الخميس.. وسافرت صباح الجمعة بعد نوم ساعة واحدة... لكن سبحانك ياربي.. كنت فايقة فوقاااان!!د

لم يكن هناك حجز في السوبرجيت في الوقت الذي نريده.. فاستأجرنا سيارة بيجو وركبتها والخوف راكبني لأني أخاف من منظرها وهي واقفة فما بالك لما أركبها وتسافر بي؟ لكن الرحلة كانت هايلة... بدأنا بالكلام والتعارف بيني وبين أسرة سماح التي لم تكن تعرفني ولا أعرفهم إلا من خلال الحكي العابر. لم أشعر بذلك الحاجز المتواجد بثقله دائما بين الغرباء أو بين القادمين الجدد.. طنط مامة سماح لم تتخلَ عن دور الأم الحنون مع أنني كنت أرى أنها منا جداً ولا يوجد حاجز آخر يتواجد بصفة أخرى بين الكبار والصغار. و"نينية" جدة سماح عليها خفة دم ولحد الآن لم أستطع تخيل كيف كانت في العشرين من عمرها. أما البنات فحدث ولا حرج ((: د

الطريق جميييل جداً... عيني كانت تتنقل بين جانبيه لتلحق الجمال القروي هنا وهناك بين الخضرة المتفاوتة في درجتها حسب نوع الزرع، وبين النخل الذي يحكي تاريخ مجده الكريم بعزة وكبرياء رفيع، وبين تلال البصل التي تجاورها تلال أخرى من القش، وبين الجواميس التي كانت تسبح أو تستحم في ترعة، وبين ترعة أخرى كبيرة تراصت على ضفتيها النساء لغسل المواعين التي كانت تبرق كالمرآة.. وكان سؤالي المهم، وهل يأكلون فيها بعد ما يغسلنها في ماء الترعة؟! فكانت الإجابة الصادمة..آه طبعاً..فعرفت لماذا تعتبر أمراض الباطنة من الأمراض المتوطنة في مصر!د

شدتني أسامي القرى ولم أستطع كبح رغبتي الجامحة في تدوين الأسامي (كفر شكر، كفر النصر، كفر الكرامة، أبو قصيبة، ميت ناجي، الصفين، زفتي، صهرجت ، بشلا، فيشنا، سنيطة، سلكا، نقيطة، منية سندوب، شرنقاش، الطويلة، كتامة، كفر الدبوسي، كفر طرشي...) ولم أكتفِ بالتدوين أثناء انزلاق السيارة على الطريق، بل علا صوتي بمحاولات فاشلة لنطق الأسماء الغريبة بتشكيل مختلف مع استغراب مزعج عن سر وسبب تسمية البعض
لماذا يسمون قرية "زفتي"؟ وهل هي بالياء أم الألف اللينة؟ يعني ما الذي حدث فيها وكان "زفت" أو له علاقة بالزفت.. يمكن تكون أول قرية اتزفتت في الدقهلية "اتسفلتت يعني"؟؟!! طيب، من أين جاءت كتامة.. أم أنها كانت "قتامة" وحصل خطأ في كتابتها فصارت "كتامة"؟ أم أنها "كتـّامة" من كتم، يكتم، فهو كتوم، وكتامة هي صيغة مبالغة أو صفة مشبههة؟؟ سأراجع دروس النحو
وهل لـ"فيشنا" علاقة بـ"الفايش" الذي يصنع في الصعيد؟! ومن هو "سندوب"؟ وهل "ًصهرجت" كلمة واحدة أم كلمتين؟
المفارقة أنني في وسط ذلك أرى كافتيريا اسمها "أركيديا"!! ومكتوبة خطأ
ولم يسلم أحد من العدوى بما فينا طنط.. إذ انخرط الجميع لوقت ما في محاولات النطق السليم


الجميل أنه مع السيمفونية البدائية التي كنت أراها في الخارج، كوّنا نحن البنات كورال خفيف الظل وبقدرة قادر تحولنا إلى محطات إذاعية منوعة. اللطيف إننا لم نكمل أغنية واحدة، وبسرعة وبانسجام عجيب كنا ننتقل بانسيابية لأغنية أخرى بعد أن تقاطع إحدانا الكورال وتقول: وفاكرين صغيرة ع الحب؟؟؟ ويا عم يا بحار، قل لي الحكاية ايه... فتقاطعها أخرى لأ.. وأنّ أنّ أنّ.. إنّ إنّ إنّ..الشمس البرتقالي عليها ليّ سنة..
دعاء تقول: أنا بقى بموت في فيروز لما بتقول له "تذكر آخر سهرة سهرتها عنا، تذكر كان فيه واحدة مضايق منها، هيدي أمي، تعتل همّي، منك إنتَ، ما إلا إنتَ.. كيفك؟ آل عم بيقولوا صار عندك ولاد، أنا والله كنت مفكرتك براة البلاد... بيبقى ع بالي أرجع أنا واياك، إنت حلالي أرجع أنا واياك، أنا وإنتَ، ما إلا إنتَ" نفسي أعيش الحالة دي"..قلت لها: يا ساتر يارب!! ونكمل غنا

تقافزنا بين نجاة، وسعاد حسني، وجدو عبده، وعفاف راضي، وفيروز، وشيرين، ووصلنا لمروان الخوري...
سماح تسألني: سمعتِ دواير؟
لأ
طيب خدي اسمعيها وتشغلها على الموبايل
بنلف ف دواير
والدنيا تلف بينا
دايما ننتهي لمطرح ما ابتدينا
طيور الفجر تايهة
ف عتمة المدينة
بتدووور
ما بنكتبش الرسايل
مابننتظرش رد
....... ...... .....

الله يسامحك يا سماح

كنت أتواصل معهم ثم أتواصل مع الخارج.. رأيت أبي قردان الذي أفتقده من زمان وغنيت له الأغنية التي عرفتها من البلد عندنا.. لم يكن يقاطعني إلا ذلك العمران الأحمر الذي يتوسط الزرع وكأنه دخيل ينشّـز في السيمفونية لتبدو وكأنها امرأة بدوية جميلة ترتدي بنطلون أو فستان شفتشي قصير مع المنديل والشال الأسود والخلخال والحلق المدور في أنفها والحلق المخرطة في أذنيها!!د
ومع العمران الأحمر كان النشاز في البراميل الصدئة التي تراصت في إصرار عجيب يبدو واضحاً في طريقة رصها

وصلنا
البحر قريب
على مرأى ومسمع منا
جرينا إليه بعد ما ألفنا المكان اللطيف

كانت أيام جميلة جداً
أجبرنني على الغوص ولم تفلح صرخاتي واستغاثاتي.. "والله لو عملت ايه وفضلتِ تصرخي للصبح".. والغوص عندي يعني أن المياه تصل لذقني ولما يعلو الموج تغطيني فأبلع الماء المالح وأشرق وأفزع وأشعر أنني غرقت. فقد كانت أقصى نقطة تصلها المياه -فيما قبل- هي ما فوق الركبة بقليل.. ما بعد ذلك كان يعني الهلع والغرق. وبما إننا بنات مع بعض فقد وقعت في أيديهن وأدخلنني المياه عنوة. ولا أنسى تلك الإشارة غير المريحة التي صدرت من دعاء ومنى وبسرعة البرق تمسك كل واحدة منهما بذارع مني وتغوصان لأغوص معهما وتصعدان بي وهما في منتهى السعادة وأنا في منتهى الفزع.

كان همي إني أسمّر.. عمري ما اسمريت... نفسي أسمر يا ناس!! أول يوم، رجعت بعد الغطسة الأولى لأراني في المرآة، لم أسمر.. وكذلك ثاني وثالث يوم.. وكان رابع يوم الذي سأرحل فيه لحضور فرح الصديقين العزيزين جداً هند وأحمد.. وأنا راسي وألف سيف إني أسمر.. فنزلت البحر ساعتين ونصف من بعد الساعة 11 صباحاً يعني أخذت عزّ الشمس على وجهي واستحملت وجعها ووخزها مع الملح في جلدي الحساس.. وكلما أسأل سماح أو دعاء أو منى.. هاه أسمريت؟ يكون الرد المؤسف..لأ.. احمريتِ بس
وأخيراً لما هدأ الاحمرار، رأيت ما حدث!! انتفااااخ رهييييب في وجهي خصوصاً حول عينيّ وكأني مضروبة بونيّة وهلّ السمار على ملامحي.. أحسستُ بنصر شمسي وهوّنت على نفسي الانتفاخ ظناً مني إن كم مكعب ثلج سيصلح الأمور حتى يأتي موعد الفرح.. لكن هيهات هيهات... فكان أول تعليق للعروسة التي من المفروض إنها مشغولة جداً: ايه اللي هببتيه في وشك ده؟!د
:-O
:">

لم أكن أنال القسط المفترض من النوم بما إني في إجازة.. لكني كنت أستيقظ بنشاط وحماس لا مثيل له.. لعبنا، وجرينا، وغطسنا، وكدت أغرق مية مرة، وعشنا لأول مرة تجربة الـ3 أفلام الفاشلة ونمنا في انتظار يعقوبيان التي سأكتب عنها لاحقاً، وركبنا العجل، وعشت أيام أقل ما توصف به إنها رائعة وأحمد الله عليها من أول ما أحسست بها..
كان أجمل ما فيها اللمة الطيبة والونسة
وكان هذا ردي على سؤال طنط.. كل واحد يقول ايه أجمل حاجة في الرحلة دي

لن أنهي كلامي بالنهايات المعروفة الرخمة.. مثل توجيه كلمة شكر لكل فرد في الأسرة مع إهداء أغنية فلان ابن ترتان في برنامج "آخر أيامي الصيفية"، أو إني أكرّ الأسامي لأخطئ في اسم وأتوقف قليلا وقفة مصطنعة تعني التفكير والتأمل والحيرة في اختيار الكلام المناسب عند كل واحد لأخرج في الآخر بأن كل واحدة منهن عبارة عن "إنسان بجد" وهذا أمر مفروغ منه... من الآخر، أنا –كما قالت سمسم- لا أحب وضع نهايات لأشياء جميلة عشتها..فما بالك إذا كانت تلك الأشياء أياماً


وهيكون ويا ما هيكون إن الفكر الشعنون هيفرض نفسه مليون ومليون لحد ما يزهق منهم أو هم يزهقون ولا يبدو إنهم سيزهقون...... وهنا نقول: توتة توتة، تبدأ الحدوتة، حلوة ومفتوتة