Friday, October 20, 2006

الرجل ذو الجلباب الأبيض




دار الكون دورته
وتوالت الأيام

وقف طويلاً في انتظار دوره دون مزاحمة لمن كان قبله. بل تركه يظلّ في الدنيا كما شاء الله ولم يستعجل عليه لما آن موعد رحيله، ولم يتذمر لما تأخر في لمّ آخر أطرافه!د
ثم دخل بأول الليل.. يمشي الهوين
وظهر معه هلال رفيع مبهج في طرف السماء
لم أر الهلال ولم أشعر به وهو يدخل أول الليل.. ونمت بدري على غير عادتي رغم انتظاري وشوقي له. ورغم أني حفظت له الكثير والكثير من الرؤى لأبثها له لما يصل فيرفعها مع الملائكة إلى الله

نمت.. ولم أشعر إلا بأصابع طويلة ناعمة تلمس جبهتي الساخنة
فتحت عيني مبتسمة لحبي لتلك الحركة التي كنت أنام بها وأنا صغيرة إذا رفضت النوم كما حكت لي ماما رحمها الله، وكما يحكي لي بابا إلى الآن
فتحت عيني ورأيته
لم يكن بابا
بل كان هو... ذلك الذي طال انتظاره حتى اقترب اكتمال دوران الأرض حول الشمس

كــــان هو..
رجل كبير من غير عجز واسعٌ وعريض. وثوبه فضفاض أبيض ناصع، وطويل مسيرة شهر بالليل والنهار. وجيوبه مليئة حواديت وحب وكرم ورحمة

أحسست بضآلتي في حضرته.. لم أستوعب أن يأتيني على هذا الشكل. ولم أكن أتخيل أن يأتيني على الأرض وفي بيتنا وبجانب سريري. اعتدته دائماً عالياً في السماء؛ مع السحاب، وفوق المآذن، والقباب، وفي الأدعية. لكنه حتى على الأرض كان عالياً!د

أجلسني.. وأنا لا أزال أشعر برطوبة أصابعه على جبهتي المحمومة. وفرد لي جلبابه العطر ففرش البيت وامتد إلى الشارع وكل الأماكن. والتمع بياضه فانعكس على الدنيا وأنار لمبات الزينة المعلقة حتى ظننت أن الشمس تزاحمُ الهلالَ الرفيعَ في السماء. وهبت نسمة سعيدة بين القلوب تحمل سلامات وأشواق الأرواح التي رحلت

عاتبني لأنني لم أنتظره..
د -"تلك هي المرة الأولى التي أجيئك فأراكِ نائمة!"د
د-"لم أكن نائمة.. غشاني الليل وخوف من أنك قد لا تأتي، وغفت عيني بلا نوم".د

نظر لي بعينه الواسعة وكأنه يقول لي: "لم تقولي الحقيقة كاملة"..
ارتبكت...
وعلت درجة حرارتي ولم أعد أشعر بأصابعه على جبهتي..
إإإمممممم...... كيف أقول له إنه لم يعد كما كان؟؟!!د
كيف أقول له إنه تغيّر؟!د
وكيف لي -أصلاً- أن أعرف أنه تغير وأنا لأول مرة أراه أمامي؟؟د
هكذا حدثت نفسي

وكعادتي فشلت في مداراة ارتباكي...

تململت في جلستي... وتشاغلت بالنظر إلى ثنايا ثوبه الفضفضاض وجيوبه العامرة

أشاح بوجهه عني فارتعش النور في الدنيا
خفت أن يرحل
فقلت له كما قلت لنفسي:د
د"أنت لم تعد كما كنت، ولا أدري إذا كنت أنت الذي تغيرت أم أنني لم أعد أشعر بك كما يجب؟؟!!"د
ابتسم ابتسامة واسعة لم يستطع امتدادُ بصري أن يدرك أطرافَها.. وفرد ثوبه أكثر حتى رأيت تحته أثواباً أخرى مكتوب عليها بماء الورد ولون النجوم. وهبت مع النسيم روائح عتيقة منعشة اختلطت فيها رائحة الصبح -لما كانت له رائحة- برائحة الخبيز والريحان والدفء

اقتربت منه دون أن أدري وتاهت روحي في بياض أثوابه.. وشممت -بقوة- رائحة السلامات والأشواق التي بين القلوب من الأرواح التي رحلت

وفي انعكاس بياض أحد أثوابه رأيتني صغيرة بذيل حصان قصير...
ماما تنادي علينا
د- بابا جاب الفوانيس يا أولاد.. تعالي يا ديدي شوفي تختاري لون ايه؟؟
د- هيييييييييه
د- أنا هاخد اللون الروز يا ماما
كان "الأولاد" أنا وأخي محمد فقط.. ويختار محمد اللون اللبني.. وأسأل بابا لماذا لا يكون بداخل الفانوس البلاستيك شمعة.."أنا عايزاه بشمعة يا بابا"..د
د- ما هو فيه لمبة وبحجارة وبينور أهو!!

نطفئ النور... "حالوا .. يا حالو.. رمضان كريم يا حالو".. وندور في البيت وبين الغرف ونخبط في بعض ونتعثر في البوفيه والسفرة..
محمد يرغب في تبادل الفوانيس للحظة..
د- أنا هاخد بتاعك ألف بيه لفة وإنتِ خدي بتاعي لفة -وكأن فانوسي غير فانوسه!!د
د- ماشي
ويلعب محمد فيه ويخرج اللمبة من مكانها ويطلع السلك!!د
وآخذ فانوسه بأمر من ماما وبابا عقاباً له على إهماله.. وأنشغل طول رمضان في إمكانية تبديل جسم الفانوس لآخذ اللون الروز بتاعي!! وماذا لو فكيييييت.. وووو......د

حملتني رائحة ثوبه لمكان آخر لأراني بضفيرة طويلة أتنقل بين "أوضة الخزين" وبين المطبخ...

د- هاتي البيض والخميرة معاكِ يا فلة
د- حاضر يا ماما
د- واقفلي الباب على بابا عشان يعرف ينام
د- حاضر
د- وقولي لأحمد وعمرو يقعدوا ساكتين وبلاش إزعاج
د- قلت لهم

كنا في الأسبوع الأخير من رمضان، يتم تحويل "أوضة الخزين" الكبيرة لغرفة عمليات حيث يتم الإعداد للعيد. كحك سادة وبعجمية وعين جمل، وبسكوت، وغريبة، وبيتي فور، وقراقيش بالعجوة بكميات كبيرة وكراتين مجهزة بعناية لعملية الحفظ. ماما تجهز العدة وأساعدها ويبدأ العجين الذي أشارك فيه بالفرجة والتعلم ومناولة المكونات وعدّ البيض، وضربه، وكيل الدقيق. وبعد الاختمار كان يأتي أجمل جزء وهو تقتطيع وتشكيل العجين.. كنت أتفنن حتى تكتمل استدارة الكحة. وأتفنن في ابتداع النقوش على سطحها. وأشعر بفرحة غير مبررة وأنا أحس بوجه القراقيش يطرى وأنا أدهنه بالبيض وأرشه السمسم!!د

د"الله.. العجوة شكلها جميل وريحة السمن تحفة.. تبقي تاكلي منها بعد ما تفطري"... د
كل يوم من أيام الكحك والبسكوت كنت أقول لنفسي نفس الكلام. وأذكر إنها مرة واحدة التي تذكرت فيها وأكلت كور العجوة، لكنها لم تكن بنفس الحلاوة التي بدت لي وأنا صائمة!!د
ثم تأتي التسوية... التي كنت أقوم بها تحت إشراف ماما بعد تلقي الإرشادات والتحذيرات الأولية

فتحت الفرن.. انطلقت رائحة النشادر.. فدمعت عيني واقشعر جسدي و...... د

لفني بياضُ ثوبه مرة أخرى بطريقة مختلفة

وامتددت معه إلى الشارع.. وقد أصبحت فتاة أصغر مما أنا الآن راكبة السيارة مع بابا وأخواتي لوحدنا قبل المغرب وداخلين على الميقات للإحرام للعمرة. بابا يقول:د
د- خلاص يا أولاد.. باقي ربع ساعة على المغرب ومش هتلحقوا تحرموا
أقاطع بابا لما تحمس محمد وقال: "لأ هنلحق":د
د- لأ.. مش هتلحقوا، لسه الوضوء ولبس الإحرام وبعدين ترجعوا تحطوا لبسكم وبعدين تروحوا تصلوا وتنووا.. أنا على بال ما أجهز الفطار المغرب هتكون أذنت

كان الفطار بالخشاف الذي أعددته من البيت كاملاً ولا فرق بينه وبينه فطار البيت غير إننا نتناوله في استيشن السيارة.. بابا ينظر لي نظرة رضا ويأخذ نفسا وهو يقول:د
د"تسلم ايديك يا فلة.. كأن ماما الله يرحمها هي اللي موجودة ومجهزة كل حاجة"..د
ويداعبني عمرو أخي بقبلة وأحمد بخبطة على الظهر ثقيلة.... و....د

غمرني ثوبُ جديدٌ من أثوابه...

لا أزال تلك الفتاة لكنها أكبر قليلاً... ولا تزال أثوابه طويلة ممتدة لكن مسيرة كل ما فات من الزمن! د
الأطفال يطرقون على باب البيت ويطلبون فلوس الزينة... ندفعها بفرحة وأشعر أن علينا أن نعطي أكثر مما يطلبون... قليلة هي كلفة الزينة.. ويمر يومان ليطرق نفس الأطفال والشباب بابنا طالبين من أحمد وعمرو أخوتي الأصغر أن يمسكوا بأطراف حبل الزينة وسلك الكهرباء لربطه في المنشر
أستيقظ للسحور ولا أنام.. وأخرج بدري-بدري والشوارع لا تزال نائمة لأذهب إلى المجلة.. أستمتع بمشاهدتي للفوانيس المعلقة بكل الأحجام في انتظار من يعطف عليها بالاقتناء...

اليوم هو الخميس... يوم تحميل العدد الجديد... حيث لا أمل كبير في إننا نفطر في بيوتنا. نطلب أنا وأصحابي الطعام ولأول مرة أكون مسئولة عن جمع الرغبات وحساب الفلوس. وأحتفظ بالورقة الكبيرة وأكتب عليها التاريخ فهو يوم من الأيام التي أحسست فيها برمضان

لم يعد بياض ثوبه ممتداً لمسيرة شهر، أو مسيرة ما فات فقط...!!د


***************



كان واحشني أوي و..مازال.. فكتبتها قبل ما ييجي.. و أخيراً خدت الإفراج قبل ما يمشي