بيت العِـزّ والكَـرْمة و
بيت العِزّ والكَرْمة و...
وطن

لما يعلن أنه ذاهب إليها، يملأ وجهه بشرٌ لا أراه كثيراً منذ زمن.. منذ أن دفن ابتسامته وريحانته في أرض غريبة (زوجته ماما).. يقول متفكهاً إنه ذاهب للاطمئنان على المواطنين والسكان الأصليين؛ وهم للعلم، الحمام والديك الرومي والفراخ في البيت الجوّاني (بيت جدو)، وكم شجرة فاكهة مزروعة في البيت البرّاني (أرضنا).د
أسعد به ولأجله لأني أرى قفزات الفرحة في عينيه ولأن "البلد" لها مكان خاص عندي في تكويني لا يزال يحتفظ بطهره وعذريته
يعود أبي في كل مرة ليحكي لي عن أشياء قد يكون قد حكى لي عن بعضها من قبل، فأتركه يحكي دون أن أقاطعه أو أومئ برأسي إيماءة العارف وكأنني أقول له: "عارفة يا بابا". بل أجدني سعيدة بها وأعيشها معه وكأنه يقولها للمرة الأولى.. فأبي حكّاء جميل.. يحكي في كل مرة بطريقة مختلفة وبهواء ولون جديد متميز عن سابقه. هذا غير المداخلات المؤثرة أو المتفكهة أو الفلاش باك المليان بالحواديت. فأشعر في كل مرة بطعم الأرض، ورائحة الصباح –يوم أن كانت له رائحة-، وصوت الهدهد والحمام واليمام وصوصوة الكتاكيت وباقي الطيور البيتوتية، وصوت مضخة الماء في الغيطان، وصوت شادوف الطلمبة الذي كان يرويني قبل أن أشرب من مياهها الباردة
بعد أجازة نهاية الأسبوع الماضي، عاد من البلد مثقلاً بالإرهاق وتعب الطريق. لم يسلّم عليّ كما اعتدت وعودني خصوصاً وأنه وحشني ولم أره منذ يومين. جلست أمامه صامتة أتفرسه وأتحين الفرصة للكلام.. حتى رفع عينيه مبتسماً ابتسامة أبوية
لم يكن قد ذهب منذ فترة، فسألته عن الناس وأخبار الناس. اعتدل في جلسته وأخذ نفساً وقال:د
"شكل شجرة المانجو يفرّح وظهر فيها الزهر الذي يسبق الثمر. وممكن نأكل السنة دي من شجرة الجوافة إن شاء الله.. طلّعت البشاير.. والخوج لونه يشرح القلب يا "فُـلّة" مع إنه صغير.. أول ما دخلت الأرض افتكرتك وقلت: فينك يا دعـاء.. هي بتحب الحاجات دي"د
مع أني فرحت بالشجر والثمار التي لم تنضج بعد، لم أعلق وشعرت بغصة في روحي، لأنني أحسست موت الناس والقلوب
كنت أريد أن أفرح أكثر فسألته عن محبوبتي العنباية أو "الكرْمة" كما أحب تسميتها. فابتسم ابتسامة أعلم أنها تهوين لما سيأتي بعدها وقال: العنبة البناتي كبرت وشكلها كويس.. لكن كرمتك "منديّة".. العناقيد طالعة لكن "منديّة".د
ولأن بابا هو بابا ويعرف جيداً قراءة ملامحي التي سألتْ، شرح لي أن "منديّة" تعني أنها مصابة "بندويّة" أو آفة تؤثر على نضج العنبة
في ذات الحين، كنت أنا قد سافرت جوايا مع نفسي إلى البلد. وبالتحديد لتلك الزيارة التاريخية التي شاهدت فيها لأول مرة في حياتي طرح العنب. كان ذلك منذ 3 سنوات، وكنت أنا في مرحلة التليين –لا علاقة لذلك بعَمْرة موتور السيارة، أقصد تليين رجلي المكسورة إثر حادث لتمشي وحدها بدون عككايز أو عصاية جدو. وبطبيعة الحال وتماشياً مع تنبيهات وتحذيرات الطبيب، كنت أمشي على مهل وأحاذر من التجاويف والمطبات الموجودة في طريقي
لا أنسى اليوم الذي رأيت فيه الكَـرْمة وهي محمّلة بخيرات الله
ولا أنسى شكل العنبة ورسمة العناقيد وسط الأوراق
أستنفرني الفضول ساعتها، ودغدغتني رغبة لأصعد مع أخوتي على السلم الخشبي لأقطف العنب
ركبت دماغ الطفلة وتحايلت على بابا: "والنبي يا بابا أطلع أتفرج..." يبتسم بابا بدون ما يتكلم استخفافاً بما أقول.. وأنا مستمرة: "والنبي يا بابا عايزة أطلع أتفرج... طيب بص، امسكوا لي السلم كويس وأنا هاطلع عليه بالراحة ومش هاحمّـل على رجلي الشمال.. ووالله.. أديني باحلف كمان.. لو تعبت قبل ما أوصل فوق، هاقول لكم تنزلوني"...د استخدمت كل وسائل الزنّ من شد يد بابا، ومسك ذقنه، وتقبيله، وهزّ أكتافه، والتخبيط برجلي اليمين في الأرض وإثارة التراب و...
لم يملك أبي أمام إلحاحي سوى الموافقة
ولم أملك أنا سوى المضيّ متجاهلة دهشتي مني.. فلم أكن أبداً طفلة شقية، ولم أعتد على التنطيط فوق الأسوار اللهم إلا نطّ الحبل وأولى وثانية.. ولم أصعد يوماً على سلم خشبي قديم لأصل إلى تكعيبة عنب كما كانت تحكي لي ماما رحمها الله عن نفسها في صباها
لم يهمني خوفي من الارتفاع... وخوفي من خلايا النحل الرابضة تحت العنباية.. وخوفي من رجلي المصابة.. كل ما كان يهمني وأنا أصعد، أن أنتبه للمكان الذي أضع عليه يدي في السلم حتى لا يدخل فيها الشَرَط!! ((: د
لم أكتفِ بالفـُرجة كما قلت بابا. غمزت بعيني –في الخباثة- لأحد أخوتي حتى ناولني المقص وبدأت في جني العنب ساعة كاملة وقفتها على السلم أبحث عن العناقيد المخبأة وسط الأوراق الكثيفة والأغصان الملتوية والمتشابكة
كنت أشعر أنني ملكت الكون لما صعدت فووووق... فوق التكعيبة لأرى البراح الأخضر ممتداً والغيطان تزهو بما فيها
كانت المرة الأولى التي أجد فيها إجابة لسؤال طالما طرح نفسه عليّ كلما قرأت الآية "قطـوفـها دانيــة": "ما الحكمة في أن تكون فاكهة الجنة قريبة من أهلها؟ طيب، ليه ربنا يجعلهم يقطفوا الثمر في حين أنه لو راحت نفسهم لشيء يلاقوه قدامهم من غير ما يطلبوا؟!!"د
فهمت إن رؤية الفاكهة على الشجر وقطفها يعتبر نعيماً في حد ذاته
يومها... أوشكت الشمس على المغيب وأنا لا أزال فوق في التكعيبة. وبدأت أسراب النحل تأتي من كل حدب وصوب وتتجه نحو خلاياها الموضوعة تحت التكعيبة في صفوف نظامية. علا صوت بابا وهو يعيد عليّ ما قلته في مشهد الزنّ والإلحاح ليعرفني منبهاً وغاضباً إني فعلت عكس كل ما قلته. وفي الوقت الذي كان ينهرني فيه لأنزل، لمحت ذلك العنقود. عنقود ملفوف وجميل وكبير ويلمع.. قلت له:د
"حاضر بس والنبي يا بابا...الله يخليك.. فيه عنقود عايزة أقطفه.. واحد بس يا بابا ووالله هانزل بعديه..."د
بابا: الله يهيدكِ.. مفيش فايدة.. يابنتي النحل هيشمك وهتتقرصي
أنا بانشكاح: لأ.. أنا مش حاطة برفان
محمد أخي لزوم الغلاسة: بس فيه رائحة شامبو في شعرك!! ويعقبه عمرو وأحمد بضحكة شماتة عالية
أنا -متجاهلة الغلاسة: والنبي يا بابا.. خلاص أهو... هو عنقود واحد عشان خاطري
كان العنقود بعيداً عن كل نطاقات خدمتي تماماً.. لأنه أصلا كان طالع بالطول في غصن متطرف مع نفسه خارج حدود التكعيبة. حاولت أن أتحايل عليه كما فعلت مع بابا لكن بطرق أخرى. احتضنت التكعيبة بيد وملت بجسدي على يمين السلم وممدت يدي الثاني لألتقطه,,, لم أصل
فعلت نفس الحركة الجريئة على شمال السلم.. فلم أصل أيضاً
ضاق أحمد وعمرو بصبري وطول بالي وقالوا لي: هانخبطه بالعصاية، هينزل على طول... يالاّ بقى
أقسمت عليهما بعين حمراء ألا يقتربا منه.. يا إلا وإلا وإلا.... لم أكن أريد أن تسقط منه ولا حباية عنب واحدة. حدثت نفسي: "لو أطوول وأحنطه وأحتفظ بيه علشان أبقى أعلقه في مدخل بيتي قصاد الباب وأضيف إليه أنوار صغيرة.. أو لو أطول أجفف قليل من حباته بشرط إنها تفضل تلمع وأعملها عقد كهرمان ليّ!!"د
غافلتهم وصعدت لاآآآخر السلم.. سندت عليه، ودخلت بنصف جسدي العلوي في آخر درجة، وفردت كلتا يديّ واستطعت أن أصل للعنقود الذي كان أجمل مما رأيته في الأول
وأكبر عنقود رأيته وسأراه في حياتي.. كان وزنه بالإحساس يزيد عن 2 كيلو
أمسكت به بحنيّة ورفعته لأعلى كعلامة نصر وأنا على هذا الوضع المعلّـق. رأوني جميعاً فانتشروا حول السلم بسرعة ممسكين به وواصفين حضرتي بالجنون للمجازفة التي قمت بها وبابا ما عليه إلا أن يقول "يخرب عقلك" د
كان نفسي أقفز من فوق السلم فرحاً.. وأحسست بطعم كلمة "يفوز باللذات كل مغامر" مع سكر العنب في قلبي
** * **
بدا أن بابا كان هو الآخر يتذكر تلك الزيارة وسعادتي في تلك الأيام.. قاطعني -دون أن يعلم- مبتسماً... "ياريتكم كنتم جيبتوا الكاميرا معاكم يومها عشان نصورك... مش عارف حكاية العنبة المندية ايه.. هابقى أكشف عليها ولو مفيش أمل فيها، نقطعها لأنها صارت منظر على الفاضي ونزرع مكانها واحدة جديدة" د
لم أفرح بباقي الشجر ولم أبكِ موت الناس والقلوب.. لكني دخلت في نوبة أخرى من الزنّ والجدال مع بابا لكي نتركها حتى لو كانت بوراً.. فقد كنت أحس فيها وفي ظلها بالـوطـــن
*** *** ***
لوحة "القرية" لـعفت ناجي





