
بشدة ممتدة على كل مقطع في الكلام يحكي لنا:د
شوفوا الملك لير –رجل في أرذل العمر- وهو يستمع لكلمات كبرى بناته "جونريل" وهي تقول له:د
د"سيدي، أحبك أكثر مما تحتمله الكلمات، وأكثر من نظر عيني. وحبي لك فوق كل ما هو قيم.. أكثر من الحياة و...."د
وبنفس الشدة لكن بنبرة أهدأ وأكثر اندهاشاً يكمل:د
يعني أخذ قراره بتقسيم الممكلة وهو في ذلك يقسم أمة بأكملها.. وعلى أساس الحب الذي ستظهره كل بنت من بناته في الكلام يحدد نصيبها في المملكة!د
وبينما تسمعها "كورديليا" صغرى بنات "لير" تهمس:د
د" ما عساكِ قائلة يا كورديليا، أحبي واحتفظي بصمتك"د
*************
كان يشرح لنا الدراما شرحاً مرئياً لا يخلو من حركات مفاجئة على المنصة في المدرج تصل إلى الجلوس القرفصاء انفعالاً مع أحد المشاهد. وبمؤثرات صوتية تبدأ من تغيير طبقات الصوت وسرعته ليحاكي مضمون النص، انتهاء بعبارت اعتراضية ساخرة خفيفة الظل لنفيق من حالة الذهول، كان د. عبد العزيز حمودة يأخذنا من مدرج 302 بكلية آداب القاهرة لمسرح الحياة.
كانت بساطته مع تلامذته –هكذا دائماً كنت أحب أن أطلق على نفسي في حضرته- ترفعه في قلوبنا للعليين ليكون أكثر من كونه أستاذاً للأدب الانجليزي، أو كاتباً مسرحياً أو أي لقب آخر من الألقاب التي حصل عليها. وفي نفس المكان –المدرج- كنت أراه مرة أستاذاً فأهابه، ومرة أباً فأحن إليه، ومرة رب بيت لما يجد المايك فالت من مكانه فيخرج مفاتيحه وينهمك في ربط مسماره. ولما يجدنا مندهشين وينادي بعضنا على الساعي ليقوم هو بهذا، يرفض ويحكي لنا عن مغامراته في صنع تربيزة خشب ومحاولته دائماً المشاركة في تصليح أشياء بالمنزل ليكتشف أن يديه غير ماهرتين لكنه لا يزال لديه الأمل ليتعلم وسيتعلم!!د
فأشعر برائحة البيت وأخرج من دور الطالبة المنضبطة التي تبتسم بالكاد
لم يستطع أن يخرج من ثوبه المصري ولم يخلُ من الذوق الانجليزي والثقافة الرفيعة فكنت أراه لورداً في زي مصري أصيل
تخرجت من آداب القاهرة مضمرة النية أن أعود إليها للدراسات العليا. ابتعدت عنها سنتين وكان يسحبني اشتياقي لها. وشوقي لها كان يعني: الدراسة، دقات ساعة الجامعة، د. عبد العزيز حمودة، ومدرج 74 و78، ورووم 14، 15، 16 ، والريف الانجليزي والطبقة البرجوازية في الروايات الانجليزية، والدراما، وحركة النرجس البري الأصفر جانب البحيرة في قصائد وليام وردزورث
وكما نويت أن أعود إليها، اخترت أن يكون د. عبد العزيز حمودة أستاذي ومشرفي قبل أن أختار المسلك الذي سأتخصص فيه وقبل أن أنتهي من تمهيدي الماجستير.
حتى صباح الاثنين لما فاجأني أحمد مجدي وكان هو الآخر تلميذاً لـ د. حمودة
وإلى الآن لا أصدق أن أدخل الكلية وقد حـُرمت تمني رؤيته ولو من بعيد أو سماع صوته المنفعل ولو من خلف باب مدرج مع دفعة أخرى. فأنا مدينة له باتساع الرؤية، وبأن أكون "أنا" في نقدي وتعليقي، وبأن لي "رأياً" له حق التواجد يتقبله ويحترمه فيسألنا في الامتحان أجمل سؤال "ما رأيك في كذا وكذا"..د
مدينة لك بالكثير يا أستاذي الحبيب ولن تعوضني عنك كتبك وعلمك الذي كتبته خلفك أو تركته في كتبك ومراياك المقعرة والمحدبة.
الله يرحمك يا دكتور حمودة ولن أطمع فآمل أن يجود الزمان بلورد مصري مثلك!!د
*****************
اتنشر هنا الأول
"بص وطل"





