Sunday, June 10, 2007

حدوتة مشمشي والبندق والشوكولاتة

حدوتة مشمشي والبندق والشوكولاتة


لحـمادة، مـيدو، عمـورة، وإبغاهــيم.. كل مشمـشي (:
د



كانت أمنيتي ألا أدخل يدي في غياهب شنطتي بحثاً عن المفاتيح. نفسي أتدلل عليهم في البيت وأدق الجرس في انتظار من يفتح لي الباب، ويستقبلوني كالأميرة لأخطو خطوات متئدة متأنقة على البساط الأحمر ذي الوبرة المخملية الطويلة التي تصل لأصابع قدمي الحمراء تداعبها فتبردها وتريحها.. وصلت.. ورفعت يدي متثاقلة نحو الجرس لكن إحساس أحد مشمشيّ بوقع أقدامي كان أسرع. فتح لي مشمش العسول الباب وعلى شفتيه يرتسم ظل ابتسامة. سلم عليّ بفتور مرغم عليه. استغربت ولم أعلق.. ارتديت ملابسي وخرجت لأجده على باب غرفتي في انتظاري. ابتسم بكسوف وقبلني وسلم عليّ سلام الحبايب وكأن نفسه لم تطاوعه أن يكون سلامه فاتراً هكذا بلا سبب وأنا لم أره منذ الصبح. برهـافـة حـســي عـرفـت أن في الأمر إنّ ّ ّّ ّ ّ.. ســألته: مــالك؟ رد عـليّ باقتضــاب: "مفــيش".. فتأكـــدت أنــه "فــيييييه" وأنه أمامي طريقاً غير ممهد لأعرف لماذا يعقد الحاجبين الجميلين العاليين. سألته إن كان جائعاً فلم يرد. بينما أنا كنت قد قررت، وفتحت الفريزر وسحبت الكفتة.. توابل، وبهارات، على قليل من الماء، مع حيل دعاء للتخلص من الدهون الضارة، زائد نار هادئة.. واستوت الكفتة. د

يحبها حارة مع الكاتشب والجبن الرومي في عيش فينو ساخن. الفينو الموجود ليس ساخناً ولا طازج. ناديت عليه من المطبخ: "عايزين عيش فينو طازة يا مشمش".. تململ وكأنه لا يريد النزول.. لو كنت انتظرت عليه قليلاً كان سيتحرك. لكنني كنت قد قررت للمرة الثانية.. "خلاص يا حبيبي خليك هانزل أنا". وفي ثواني كنت أشتري له ما يحب وما أحب له؛ الشوكولاتة بالبندق لعله يبتهج. صعدت جرياً على السلم وأنا أحضر مفاتيحي. فكان هو أسرع لفتح الباب وقد علت وجهه الابتسامات. أخذ المشتريات.. واقترب مني وأنا أعمل له سندويتشات وهو يقول بصوت متردد: عايز أقول لك على حاجة.. ماشي؟


********************


كعادتي ذهبت المجلة بدري-بدري.. سميت الله وبدأت طقوس صباحي التي أضفت إليها فواحة برائحة الياسمين قبل الشروق والزنبق بعد الضحى. فتحت الميل لأجد من مشمش ثاني الأبيضاني خفيف الظل والطلة -الذي كان معي منذ ساعتين في البيت- رسالة "صباح الأنوااااار"... يصبح عليّ ويسألني عن صبحي وشغلي مرسلاً لي لينك برنامج أحتاجه، ومتمنياً لي يوماً جميلاً مثل أشياء فيّ وأخرى أعملها. فرحت بكلامه وتدليله وتعبيره عن حبه.. فرحت فرحة من يكتشف شيئاً جديداً مع أنه ليس بجديد!! فأنا ومشمش هذا إخوات من حوالي عشرين سنة، علاوة عن مدة سنة وشهرين أخذتها حتى أقف على قدمي ويبدأ هو في التكون داخل رحم ماما رحمها الله. د
اتسعت فرحتي ولم أمنع استغرابي منها أن يقلل من شأنها، فمددت عنقي نحو صديقتي التي تسكن في مكتب بجواري، وسألتها بسعادة: "تفسري ايه لما الواحد يفرح بحاجة عادية وكأنها جديدة؟؟!!" لم تعلق واكتفت بالابتسام لأنها تعرف طبائع السائلة.
د
كان فرحي شقي وكدت أمد يدي لأحتفل بأكل الشوكولاتة التي اشتريتها لنفسي بالبندق. تذكرت أنني لم أهديها له من فترة، فأخذتها ووضعتها في الشنطة.. د


*******************


رفع يده، مشمش ثالث، وهو يشير إلى شارع جانبي كنا نمر عليه أثناء ركوبنا الأتوبيس العطلان تكييفه! سألني إن كنت أعرف اسمه أم لا؟ ولم أكن أعرفه.. د
فاجأني صوته لما اكتسى بنبرة تعليمية -تكاد تكون أبوية- محببة وهو يسألني ويجيبني بهدوء. فاجأتني نبرته وألجمتني وأسعدتني. ولم أرد التعليق بهزار بأن خلاص مشمشي كبر وصار يرشدني. ولم أتكبر على جهلي لكي لا أفسد مفهوم الأخت العارفة. واستمعت إليه: "أهو ده بقى المكان اللي لما إن شاء الله ترتبطي هنيجي نشتري لك منه جهازك". لم تمنعني دهشتي المتوردة من الفرحة وكأن ذلك جديد عليّ!!
د
كانت فرحتي حلوة المذاق؛ بطعم الشوكولاتة لما تذوب في فمي مع حبات البندق. صحيح أننا لسنا أخوة من عشرين سنة مثل أحد مشمشيّ فوق، لكنه أكبر من سنين عمره عندي. وكم أغتاظ من مشاعري لما تتواجد في مكان آخر، غير البيت ودرج مكتبي، لا يليق بها فلا أجد لها مخرجاً. كنت فرحانة ومأخوذة ولم أجد صديقتي لأمد لها عنقي متسائلة. ولم أجد قلمي ومكتبي لأستند عليه وأسكب بعضاً مني فيه.. ولا يوجد لدى جالكسي من يوصل الشوكولاتة -دليفري- للمحطات السي تي ايه العطلان تكييفه. كان معي هذياني مطبوعاً، فلضمت مشاعري في سطوره وقرأته له. لم تفلح حيلتي لأن هذياني أصابه فكثرت عليّ ديوني لأني قبلها أيقظته بدري في يوم كان لابد أن ينال قسطه من النوم، وقلت له إنني سأريه ربات الفن في خانة خشب الصندل المشغول فأخرته على مشواره. ولم يسامحني مشمشي الحبوب. د
وعلها تكفر عني، أعطيتها له في إحدى العصاري، الشوكولاتة بالبندق..
د


*******************


كنت أسرح شعري ولمحته في المرآة يقترب مني، مشمش رابع، وهو يكرمش أنفه ويلعب بملامحه فيما يشبه الأسف والاعتراف بالذنب. سكتُ في انتظار ما ستـُفـضي إليه عمليات التقلص والفرد التي يفعلها بوجهه. قال لي: "أنا محتاجك في العربي بس بعد ما بابا يخلص لي الإنجليزي".. فاستنكرت إنه لا يزال يذكر لأنه كان المفروض نقعد مع بعض أذاكر له النحو والأدب من ربع قرن. لكنه مرتين يتكاسل، وثلاث مرات لا يريد، ومرات مش دلوقت، وأنا -لأكون أمينة- مرة لا أكون في الفورمة. أعطيته جملة مركبة يـعربها لأرى إلى أي نقطة نزل مستواه. كانت ماما الله يرحمها -وهي درعمية- تقول لي: "النحو كالبناء والإعراب يحلل البناء ده، وعشان تحلليه صح لازم تكوني فاهمة موقع كل طوبة في البناء ده فين ولازمتها ايه، وده مش هيكون بدون فهم المعنى بدقة". وكانت تقول لي إن من يحسن الإعراب، يجيد فهم النحو. وأذكر أنني كنت أحياناً أغلط في تشكيل كلمة أثناء تلاوتي للقرآن الذي علمتني قراءته، ويكون الغلط نفسه متكرراً وكأن الكلمة مستعصية عندي على النصب فأرفعها وهي منصوبة. فكانت تجعلني أفكر في الآية كجملة وتصحح لي الكلمة مبينة محلها وتعرب لي الآية كلها.. د
لم يطاوعني مشمش اللُعبي.. فغضبت منه ولكي يصالحني في اليوم الثاني أرسل لي الصبح رسالة قصيرة بالانجليزي مفادها إنه يتمنى لو يقطع من ضلوعه ويعمله قلم، ومن جلده صفحة، ومن دمه حبر عشان يكتب لي إني واحشاه. ولأنها بالتأكيد مرسلة له لأن مشمش هذا رقيق وحبوب مثل باقي مشمشي، شكرته فقط وسألته باستهجان يتوارى في ثوب الاستظراف: إذا كان التعبير عن الحب والشوق فيه تكسير ضلوع، وبالعنف ده، أمال لما يجي وقت الشدة هيكون باقي لنا من الإحساس الجميل ايه نتقوى بيه يا مشمش؟؟!". ولكي لا أقع في مأزق الإرشاد فكرته برسالة أمورة وجميلة كان أرسلها لي قبلها بالعربي.. وإذا به في ساعتها يرسل لي أجمل منها: "صباح النور يا ديدي، معادنا النهاردة بعد المغرب.. وبوسة".. فنويت أن أشتري له شوكولاتة بالبندق لعله يحسن الإعراب وكتبتها على ورقة لصقتها أمامي.. د


*******************

هل تدرين أني أثق فيكِ لدرجة التسليم؟! د
أحياناً ينوء بي الحكي فيتساقط من جيوبي الكلام وأنا أجري وراء قلبي لأمسك بتلابيب التعابير. فلا أجد غيرك في الآخر لما ينفرط مني عقد المشاعر، فأسكنها فيكِ؛ بين ذرات الكاكاو والسكر، وبين أنصاف فلقات البندق. أذيبها فيكِ، في نهير اللبن الممزوج بكِ، وأعطيكِ لحـبات قلـبي.. لمشـمشي.. لعلك توصلين لهم ما لم أستطع، وما لا يعرفه المنطوق، ولا تفسره نظرات العين، ولا تشرحه الرسوم، ولا تسعه الأمكنة. لعلهم أثناء ذوبانك على طرف لسانهم، تسري في عروقهم مني بعضاً مما أكنـّه لهم ذائباً في ستة ألوان؛ لونان من قلبي، ولون من حبي، ولون من عمري، ولون من خوفي، ولون منهم. د
أظن أنكِ تستطيعين، فهل أنتِ قادرة؟ أم أنكِ في حاجة لأبعث لهم قطعة منكِ مسجلة بعلم الذوبان والإحساس؟؟ أم أنهم في حاجة لقراءة ما كتبتـُه ليفهموا مهـمتك فتستحقين وسـام الشرف لتبليـغـك الأمـانة يا عزيزتي.. يا شوكـولاتـي الحـبوبة المـُبندقة؟؟

(:

**************************


Tuesday, May 15, 2007

هذيان شهرزاد!!د

هـــذيــان شــهـرزاد
مع تيمون وبومبا وسيمبا


بين بقعتين من الظلمة، تنتصفهما بقعة من النور، تتحرك السكرتيرة على خشبة المسرح فيما يشبه التأرجح وفي كل مرة تخفف من ثقلها بنزع شيئ مما ترتديه. وجورج، فيلسوف علم الأخلاق يعيش عالم الفروسية في غرفته الصغيرة بمصاحبة أرنب خشب وقوس معلق على جدار الغرفة! وتستمر "همت"، المعيدة بالقسم والمعيدة لسنة التمهيدي كما جرى العرف عندنا!، في طرح عرضها وذكر التفاصيل: موقع غرفة جورج، ديكور غرفة زوجته، معنى القوس والسهم والأرنب وما علاقة عالمه بعالم الـJumpers، ولماذا يرتدي لاعبوا الأكروبات اللون الأصفر في الاحتفال بارتقاء الحكومة الراديكالية الليبرالية، والرمزية لمفهوم النسبية في الشكل الهرمي الذي مثلوه، وما يرمز إليه اغتيال من في منتصف الهرم بالطلق الناري...... بلا.. بلا.. بلااااا

Concerning the stage props., there are….. bla bla bla
"أما بالنسبة لتفاصيل خشبة المسرح، فيوجد..........

أضع رأسي بين يدي،خوفاً من أن تقع في يدي فلا أستطيع الرؤية. ويزداد الصداع الحديدي سمكاً، وتزداد السحابة الداكنة التي تحيط حديده كثافة.. تسألني صديقتي نيرمو: مالك يا دودو؟ فأبتسم وأقول لها: د
Nothing… absurdity drama, you know!
د"وأنا ايه اللي يجبرني أدرس مسرح العبث على الورق؟ خدونا لمسرح الجلوب ولا أحد مسارح لندن، نتعلم الأول. وبعدين المسرحية مش عاجباني مع إني لم أقرأها ومع إنها لتوم ستوبرد اللي باعزّه.. مسرحيته "روزنكرانتز وجـِلدرنستيرن ميتين" كانت أجمل.... د

Humanity and good sense are the foundations on which Stoppard constructs his apparently absurdist plays. In a comedy that includes the moon landings, a team of gymnastic philosophers, a fatal shooting, a detective who might have stepped from the pages of Agatha Christie, Stoppard combines effervescent burlesque with moral urgency. The play is a sustained satire on the absurdities of academic philosophy, and in particular on relativism

تقاطعها الدكتور أستاذة الدراما الرائعة، والتي تدرسني مسرح بيكيت وستوبرد وبريخت من سنة ثالثة وتريد أن تجعلنا ندرس المسرح الأيرلندي. تسألها لماذا يرتدي جورج في أحد المشاهد الإناء الذي كان يحوي السمكة فيبدو مثل رواد الفضاء؟ لا تجد همت تفسيراً للمشهد الدال. وتدعونا الدكتور للتفكير وتفكر معنا فالسؤال قفز في ذهنها فجأة مثل البهلوانات المتقافزين. أربط خيوط فكري ببعضها، وأرتبني وأرفع رأسي المصدع ومعه يدي وأحلل وأحدد الدال والمدلول بناء على صورة القمر الحقيقية التي تظهر في تليفزيون "دوتتي" وصورته الرومانسية المعلقة، بعيداً عن نسبية أينشتاين واللون الأصفر والهرم. تحييني الدكتور على تحليلي: د
Great, it is a clever analysis. I like your approach
د- والله ما كنت أقصد!
المحاضرة التالية لدكتور يشاع أن أصولها انجليزية. وإن لم نتاسمع بذلك فيكفي شكلها الانجليزي الصرف الذي يؤكد أنها ابنة عم إليزابيث أو انجلترا نفسها. وإن لم يكن شكلها، فنطقها الانجليزي بنفس اللكنة والتنغيمة الانجليزية الرقيقة التي تجعلني أتقافز طول المحاضرة لألتقط الحروف الطائرة في الهواء. البنات يتهامسن: "د. فاطمة موسى طلبت نعمل لها دراسة عن رواية كذا.. لا أذكر اسمها..
وهاقرأها امتى دي.. أنا لم أقرأ روايات مادة الـNovel أصلاً!! د
يكملن: "ود. ماهر شفيق فريد حدد موعد لتسليم دراستين نقديتين واحدة في مادة الشعر والثانية في مادة الأدب المترجم إلى الانجليزي". وتوصيني إحداهن بمسرحية أخناتون ونفرتيتي لعلي أحمد باكثير لأنها عربي وقرائتها أسرع مما سيساعدني في عمل دراستي عليها نظراً لأنني لم أواظب على الحضور لشغلي وأشياء أخرى. المسرحية لم ترقى لتوقعاتي ولا أطيقاها.. مش أحب بعض المسرح الشعري، اللي لغته طنانة وثقيلة: أهلا بك يا عكرمة.. أين كنت قبحك الله؟ خسئت.. مش مشكلة، أعمل دراستي في المجموعة القصصية”Tin Box” لإحسان عبد القدوس الانجليزية.. أختار خمس قصص كما قال د. ماهر..ربنا يطول في عمره ومش يروح منا فجأة زي د. حمودة اله يرحمه... إإمممممم.. بس آآآآآووووو.. نوووووووه..إمبوسيبل –بلكنة فرنسية- ... يوووووووووه المجموعة مش عندي!! د
أخرج من المحاضرتين وهمي الوحيد أن أجد أي شنطة لأضع فيها رأسي التي سقطت. وعلى درجتي السلم في مدخل مبني القسم، أراهما يتبادلان الأماني والرغبات بأسلوب لا علاقة له بالأدب الانجليزي إنما بقلة الأدب العالمي. أركن رأسي بجانبي على أحد المقاعد أمام القسم وتنسحب يدي لتكتب بالعربي دراسة عن تبادل الرغبات. د أركب التاكسي.. ويسرع بي السائق ناسياً أو متناسياً أن سيارته فيات سيارة الشعب المكدودة معه، وليست بي ام دبليو أو جاكور أو بورش.. فيترجرج رأسي ويقع في الدواسة وأنتفض وأنا أقول له: د
ود يو بليز سلو داون؟؟
ينظر إليّ وقد تفتحت في وجهه كل التجاويف لتنم عن عدم الفهم. وتتفتح تجاويف وجهي أنا الأخرى لتنم عن عدم استيعاب إن كنت ما قلته عربي أم انجليزي..! د
**************

أفرش نفسي وأوراقي وكتبي ولونجمان فوق المكتب.. لا يسعني وأنا مبعثرة. سأبدأ بورقة بحث الدارما.. وسيكون موضوعي من مسرح العبث "دلالة اللعب بالألفاظ في مسرح توم ستوبرد". يراني بابا وأنا مبعثرة... يربت عليّ قائلاً بنبرة تتفاوت بين الشفقة والتأنيب الحاد: د
د- ربنا يوفقك يا فلة... يا رب تنجحي.. ما هو لو إنت كنتِ اهتميت بالحضور من الأول، ماكانش ده بقى حالك. وبعدين يسوى ايه إبداعك لوحده وقصصك وإنتِ مش معززاه بالدراسة الأكاديمية؟؟
د- نجيب محفوظ مش كان دارس ولا عامل ماجستير ولا دكتوراه
د- غاوية جدال ع الفاضي.. نجيب محفوظ كان بدأ بالفعل وكان منظم وقته.. لكن إنتِ لسه، والمصيبة إنك تقدري وفيك اللي يؤهلك لكده.. الله يهديكِ
د- طيب يا بابا.. خلاص بقى والنبي
**************

ألوووو.. أيوة يا دُعدع عملتِ الموضوع بتاع بحبك موووت اللي كان المفروض تسلميه قبل ما تاخدي الإجازة؟

He defines the visual arts as happening in space without extension in time, whereas the narrative poem moved in time alone without any spatial extension.
ألووووو.. أيوة يا دعاء مش تنسي إنه في مادة الأدب المقارن فيه دراسة مطلوبة عن أدب الرحلات.. & don’t forget the translated essays of

The actor is the iconic sign
ألووووو، صباح النوووور.. مش تنسوا تبعتوا لي ملفات الفضفضة تاني لأنها مش راضية تفتح عندي..
The term “gestural language” points to the interdependence, and sometimes dialectical, contrapuntal relationship between the verbal and the facial gestural system in drama.”

ألوووو.. هاه يا دودو عملتِ الدراسة التحليلية بتاعة الببلوجرافي في ايه Feminism، ولا Marxism، ولا Psycho-analysis؟ شدي حيلك يا جميل عشان تبقي معايا، أنا خلاص هاسجل مع د. آمال مظهر في إبسن وهي اختارت لي الـApproach بس أوعي تبطلي كتابة.. أنا باقول لك أهو، ده د. ماهر عجبته قصتك موووت.. وبعدين فين القصة الجديدة اللي قلتِ لك هابعتيها لي ومش بعتيها لحد دلوقت يا هانم؟؟

Non-intentional signs
Involuntary signs
Vocal interpretation
Facial expressions
ليه مش الأول نحضر أي مسرحية في المسرح القومي.. بلاش جلوب ثياتر ولا مسارح لندن.. وبعدين كل واحد يكتب وجهة نظره في المسرحية من أول رفع الستاير لحد الإخراج. وبالمرة بيعرضوا دلوقت مسرحية لبريخت. وبريخت أستاذ في المسرح الذي يدعو للتأمل والتفكير.. ده كان بيبهدل مراته اللي كانت ممثلة لما يحدث وأن تنفعل في التمثيل جداً لحد ما يتعاطف معها الجمهور ويصفق. وعملها مرة وأنزل الستارة في منتصف العرض ومسح بها الأرض.. كل هذا لكي يجعل الناس تفكر فقط... وأنا لي ثلاث سنوات أتحايل على القراء الوادرين على باب فضفضة لكي يفكروا في أفعالهم ونواياهم وحبهم قبل أخذ قرارات تودي في داهية! د طيب والله العظيم الحاجات السيميوتكس وعلم العلامات التي يتحدث عنها مارتن ليسين أنا لاحظتها ببديهتي قبل ما تتصدع لما رأيت مسرحية هاملت من ثلاث سوات ومسرحية لير من سنتين.. لحد ما أصحابي قالوا لي "نادي السنما" مش بيعرض مسرح، احنا مش مستضيفين درية شرف الدين هنا..
**************

يأخذني النوم المرتبك المتقطع والذي إما أن يكون موحشاً يغطيني فيه الخوف بلحافه الثقيل، أو يكون مزدحماً بكل ما لا يلذ ولا يطيب. ويهزمني البكاء لما أعرف إن كل مادة لها أعمال سنة ودرجة النجاح من 14 من عشرين درجة.. وأنا لم أواظب في الحضور ولم أنتهي من أوراق الداراسات المطلوبة... إذن طارت الأعمال.. يهزمني لحد النوم المخيف والمزدحم. ويكتب لي الدكتور فيتامينات لتنشيط الدورة الدموية فيكون النوم أشد وحشةً وأكثر ازدحاماً.. حبتين بعد الإفطار وحبة بعد الغداء
د- خلاص يا فــُلة.. كده الصداع اللي بيجيلك هينتهي تماماً.. وتعرفي تركزي وتبقي زي الفل
د- ربنا يسهلها يا بابا

وبالفعل...

في شدة الزحمة، أرى نفسي، أنزل من الأتوبيس المكيف المدعي سي تي ايه.. ولا أعرف كيف أعبر الشارع. وتتقطع بي الطرق والأخيلة لأصل فجأة لمكتب صديقتي في المجلة وهي تريني صورة لآخر الحدوادث -مع أنها لا تريني إلا كل جميل- وإذا بالمصابة صديقة لي من أيام الدراسة كنت قد قابلتها صدفة في أحد الميادين وعلى اتصال بعضنا.. اتألم جداً... وأعرف من الصورة التي تحدثني من خلالها مبتسمة أن ظهرها قد انفلق نصفين بالطول.. بس ما تقلقيش.. هم خيطوه. وأرى آثار الخياطة الوحشية على وجهها الجميل.. يااااااااااااهـ... حبيبة قلبي.. لا حول ولا قوة إلا بالله..

ثم أجلس مع بعض أصدقائي في المجلة نتحادث ونضحك. وألمح غريباً كأنه زميلا لي من بعيد يمسك الفضفضات التي أعطيته إياها ليرد عليها ضمن مهامه التحريرية باستهزاء وازدراء.. يمسكها ويرميها على من حوله وقد أخذت الفضفضات شكل قطع كنتلوب كبيرة نيئة نهشت أطرافها!! أتحقق حتى تأكدت أنها الفضفضات، وتثور حفيظتي وأطلب منه توضيح ما يفعل. فينظر إليّ بلامبالاة مستفزة فأحتد وأخبره أنه إذا لا يريد أن يجيب عليها ويستخف بأصحابها فكان من اللائق والاحترام أن يقول لي لأعفيه من تجشم معاناة الإحساس طالما أنه قد نفد الإحساس لديه.. د

وأتمشى مع صديقة أخرى وندخل لشراء ملابس بيتوتية بناتية، لنرتديها في الليالي الصيفية تحت الغطاء. وتقع عيني على طرحة ليس من المفترض أن تتواجد في هذا المحل. طرحة جميلة ملونة ومقصبة.. وأموت أنا في الألوان المبهجة. تمتد يدي لألمسها وأنوي شرائها، ولا أعرف إن كنت اشتريتها أم لا.. د

وأرانا نحن جميعاً –فريق تحرير بص وطل- نعد لاحتفالية كبيرة بمقر المجلة. الكل مبتهج.. الكل مشغول.. الكل نشيط.. والمكان يتخبط بين تحركاتنا السريعة العشوائية. وأنا مسئولة عن عمل الزينة والتنسيق الجمالي والتلوين.. وأخبرهم أنني أريد نوعاً معينا من الزرع لا أعرف اسمه، وأصفه لهم. وتأتي سيارة محملة بالأصائص. نتعاون لنقلها فوق.. وإذا بإحدى الفتيات تدخل وقد ارتدت بيكيني أو أقل. فأنتفض ويقع مني ما أحمله.. وأسرع لأزيحها بذراعي وأنا أحاول مداراتها آمرة لها أن تضع شيئا على جسدها بينما تلتهما عين وتتجافاها عيون أخرى! د

وفي مجلس عرب خالي من الأثاث إلا الكنب البلدي والمصاطب، ومدهون باللون الأخضر الزرعي الذي يذكرني ببعض البيوت في البلد، أكون مع أبي في بلد ليست بلدنا. نحضر بدون صفة مجلساً يرفع فيه رب أسرة أحدهم طلباً لعشيرته يطالب فيه بزواج ابنه. وقد تزاحمت بنات صغار لزجات بإيشاربات فاقعة كالتي نراها في إعلانات التايد والإريال والسمنة الفلاحي وكأنهن في انتظار النتيجة ومن سيقع عليها الاختيار. ويبدو الشاب صغير الشأن لا يهمس ولا يطرف. وأنا أستعجل أبي متذمرة من المشهد ومما نحن فيه وكل ما أستطيع فعله هو تجنب التلامس مع البنات اللزجات، وكل ما عليّ قوله هو احنا ايه اللي جابنا هنا ولا يتعدى صوتي حدود أحباله.

ثم أرى د.أمل –أستاذتي ورئيستي وأكثر- تتهامس مع أخوتي وبعض أصدقائي. يلمحوني قادمة فينفض الجمع وتبتسم د.أمل. ثم فجأة أجدها ورائي تحتضنني وتلف حول كتفي وشاحاً فيروزياً جميييييييلاً... وتهمس لي: أنا أول ما شفته قلت ده مش يليق غير على دعاء، خصوصاً وأنا عارفة إنك بتحبي الألوان وهي بتحبك كمان..! د

ويفوتني الامتحان مرة، وفي المرة الثانية أذهب مبكراً قبل موعده بساعات فأجد أنني الممتحنة الوحيدة في جامعة القاهرة وتكون لجنتي تحت القبة وتوترني دقات ساعة جامعتي التي أعشقها وتوحشني لما تعطل.. توترني لأنها تدق الدقة الكبيرة كل دقيقة وعقاربها تجري وكأني في آخر مسرحية د.فاوستس.. وأمسك بورقة الامتحان فأجد فيها مسائل حساب المثلثات، وسؤال طويل عن علاقة الظتا، والجتا بمدرسة النقد البنيوية!! د

وتمر عليّ ماما –رحمها الله- مرتدية خمارها اللبني، أحب خمار لديها ولدي أيضاً، وتشاكسني به وأنا نائمة فتلامسني أطرافه ويطولني جزء من نعومته ورائحته العطرة المميزة التي لا أزال أذكرها! د

يوقظني بابا.. مش هتقومي تصلي الفجر حاضر يا فلة؟
حاضر يا بابا.. أنا صاحية
**************

دخلت الساعة في حدود الصبح مع أنه لم يشقشق بعد. فأقرر أخذ راحة لعل الحديد الذي يجثم على وسط دماغي يخفف من ثقله ولو قليلاً. وأجلس على الكمبيوتر لنقل ما كتبته على المقاعد الخشبية أمام القسم دراسة عن "آداب الحب تحت الكنبة والأنامالية!" وأكمل موضوع بحبك موووت.. لأكتب "قصة حبيبين: شادي وهايدي والكبوشة!" دhttp://boswtol.com/5gadd/nsahsah_143_02.html
أتصفح العالم الافتراضي وأصبح على كرواني فأجده قد زاد صوتاً على أصواته فصاروا ثمانية عشرة.. أفتحهم لأجد "
حائر في دنيا الله" يسأل: مرّ شهر، ولم تحكِ شهرزاد.. خير إن شاء الله؟ فلا أجد الرد
**************

أنجلينا جولي، وأدوارد بيرنز في فيلم
Life or Something Like It
يخبرها العراف إنها ستموت يوم الخميس ويعطيها إشارات تدل على صدقه. أولها فوز فريق معين، وثانيها سقوط الثلج في يوم قالت الأرصاد إنه صافي، وثالثها زلزال في تكساس. تطاردها المخاوف، وتطارد هي حياتها التي لم يتبق منها سوى يومين، وفجأة تظهر لها حياتان جديدتان واحدة في الشغل، والثانية في الحب. تختار الشغل وتقضي فيه ساعة لتؤكد لنفسها أنها نالت الحياة وكذب العراف.. ثم تختار الحب قبل أن تنالها رصاصة لتبدأ الحياة. أهمس جوايا: يا بختك.. أنا لو مكانك وكان قيل لنا إن العرافين صادقون ومباح لنا تصديقهم، كان زماني مستريحة دلوقت. ألا يكفي إنه يقين ومطلق لا دخل للنسبية فيه؟؟ أقف أمام المرآة وأنا أسترجع ما قرأته في علم العلامات والإشارات الدالة المستخدمة في الآداء المسرحي لتوصيل المعنى: الممثل، الآداء الصوتي، وتعابير الوجه، والإطار، وإضاءة الــــ.... د
وأنا مالي أنا بالسيميوتكس والرمزية لمفهوم النسبية وأدب الرحلات؟
أنا عايزة حاجة تانية.. ليه مش ندرس هانز كرستيان أندرسون؟! د
أنظر في المرآة وأقترب.. أتجاهل اللون الأصفر الذي طالني من ملامستي لملابس البهلوانات في مسرحية توم. وشكل المثلث الذي مال إليه وجهي الأقرب للاستدارة في الأصل! ألتقط موبايلي لأقارن بين تلك الصورة الأليفة التي التقطها لي أخي وأنا أتكلم في التليفون من يومين. أقترب لأتحقق من أن هذا الانعكاس لي، وأنه نفسه الذي في الصورة
How awful is your look?
ايه الرمزية ولا النسبية في كده يعني؟؟ وأنا مالي بتنظيرهم لعلاقة الوقت والمكان بالفنون المرئية؟! أنا هاتخصص في أدب الطفل..د
أفتح الجهاز وأشغل أغاني
The Lion King, Can you feel the Love tonight?
وأغني مع تيمون وبومبا لما تأكدا إن سيمبا حب ولم يعد. وأعيط معهما في الآخر بعد أن تطول يدي -سامحها الله- لتلتقط المقص، متناسية هجومي العنيف على كل من تتحامق وتفعلها، لتقص ثلث شعري العزيز كنوع من التغيير. في إشارة رمزية واضحة لمفهوم العدمية المـُطلـَقـَة!! د

وبعد أن تهذي شهرزاد، ينطفئ ضوء المسرح ناعياً أفول الصباح،
ويجـنّ الليل على كل البطاح، ويختنق الديك بالصياح فترتفع النجوم لتدرك منتهى البراح،
ثم تسجى شهرزاد أميرة الملاح على سريرها
وقد ملت إزعاج صفير الرياح
***********************************

Tuesday, April 10, 2007

مسرى الياسمين

مسرى الياسمين والدليل
من مصر الجديدة لشباكي!! د



الواحدة، قبل صباح اليوم


وضعت الفـواحة أمام شباك غرفتي المطل على البلكونة. د
فتحت شباك الصالة المقابل لغرفتي، ثم لففت إلى البلكونة وفتحت جزءا من زجاجها المقابل لشباكي لأصنع تيار الهواء المحبب لي. أجيد ضبطه فتمتلئ الغرفة بالعبق. د
ووقفت أمام المرآة -في منتصف مجرى التيار- أجفف شعري المبتل وأنثره حولي، فتنطلق خصلاته يتخللها نسمات الهواء وهفيف رائحة الياسمين. بينما يتماوج جسدي على إيقاعات انسيابية منضبطة من لحن عذب أخذ طريقه إليّ منذ أسبوع، ووصلني أجمل ما فيه من مصر الجديدة منذ قليل. وفي المرآة ألمحها خلفي، كوباية الشاي الساخنة، يطفو فوقها عود نعناع أخضر

*** *** ***
الأربعاء، 21 مارس 8 صباحاً

جمعني بها الصبح، وفيروز، وودٌ قديم كنت أظنه قد قضى نحبه، ورغبة للصفح داكنة لم تكتمل داخلي فلم أدركها. سألتها دون قصد عن أخبارها باهتمام صادق. واندهشتُ من اهتمامي بلا سبب لحظة أن وعيته. وتعجبتُ أكثر لما بدأت هي تحكي بدون تكلف، ولم تكتف بالإجابات المقتضبة القاطعة الطريق على أي سؤال أو اهتمام لاحق. حكت لي عن المشاغل التي تتحملها أي بنت تعد بيتها، وعن المفاجآت التي لم تعد لها عدتها. حملت معها الهـم وكساني الصمت من فرط إحساسي بها. ولم يكن يليق أن أقول لها "معلش" أو أخفف عنها بالكلام المعتاد. ولم يكن الظرف يسمح بأن أعدها أن كل ماهي فيه الآن سينجلي بإذن الله رغم إيماني بذلك. لم أملك إلا أن أدعو لها بصدق وأربت على كتفها

امتد بساط إحساسي بها ليسع تعاقب الليل والنهار. وبالليل.. بجانب النيل، وبينما كانت روحي تسترجع ما دار بالنهار، وتغمرها رائحة شرقية لها طعم القرنفل، رأيت شاباً ظننته في بادئ الأمر خطيبها. كان يشبهه لحد التطابق في الملامح والهيئة والمشية والطول. وبجانبه تسير زوجته، وهو يحمل ابنتهما دون الستة أشهر. يلاعبها ويدللها ويلثمها في كل ملامح وجهها.. ملامح وجهها التي لم تكن إلا نفس فكرة ملامح ممن أحسست بها.. صورة مصغرة منها! د
كانت إشارة صريحة واضحة لا شفرة لها وليست في حاجة للفك أو الترجمة! د
تهللت واستبشرت... وظللت أتابعهما حتى غابا عن ناظري.. وقد سكنت في قلبي لهما ولـ"هما" دعوات وأمنيات رفعتها السماءُ إلى الله


*** *** ***
الخميس.. 23 مارس، 6 مساء

انزلقتُ بالكرسي حتى صرت بجانبها، رفعتُ يدها من على الماوس واحتضنتُ أصابعها براحة يدي. فقط، كنت أريد أن أطمئن عليها بعيداً عن منطق الكلام، بدون الإلحاح والضغط الذي قد تفرضه علاقتي الحميمة بها. وانزلقت ثالثـتنا لتنضم إلينا.
صرنا ثلاثة جمعنا الملل، والانتظار، والضحكة، وحواديت الطفولة. ومـرّ الوقت وآن لنا أن نرحل. تحركت هي أولاً.. سلمت على الآخرين ثم اتجهت ناحيتي..
ظللت مكاني لا أريد أن اقترب فتتركني، وأخشى أن أتهيأ لها كما تهيأت من قبل فما عـدت إلا بوجه شاحب، وبقايا هشيم الخاطر. لكنها أكملت طريقها نحوي.. وتلاقينا بحذر بعد أن كاد خدها ينسى ملمس خدي! د

*** *** ***
خارج نطاق الوقت

كان يرمقني على مهل حتى وصلت أمام مكتبي.. لم أجلس فوراً بل توقفت لأرد على نظرته العميقة بابتسامة احتراماً له وحباً وإيماناً بما أسكنه الله في قلبه. هممت بالعودة لشغلي وهو لا يزال يرمقني على ذات المهل، لكنه رفع إصبعه وقد نوى أن يتكلم.. سألني: د
عاملة ايه يا دعاء؟
ابتسمت وحمدت الله من قلبي. لكن سؤاله لم يكن ليسمع مني حمدَ الله. بل كان ليجيب هو عليه. هـزّ رأسه بيقين وقد عزم على أن يفرج عن شيء:
د
د"شايف إنك واقفة في المنتصف، مع إن فيه حاجة إنتِ عايزة تقدمي عليها... معلش.. معلش.. ولا يهمك.. وخديها من راجل عجووووز.. ماتخافيش يا دعاء.. هاه؟ ماتخافيش أبداً"!! د
انكمشت في الكرسي.. فكلامه يأتي في محله دائماً حتى آمنت بأن الله قد خصّه بشيء من نوره يري به ما لا يراه إلا المصطفون.
كان كلامه حقيقياً.. فانكمشت في الكرسي وتهدجت أنفاسي وخفت أكثر! د

*** *** ***
الأحد، 25 مارس، 5 مساءً


سألتني إن كان هناك شيء يشغلني.. قلت لها: "لا". ولو كان وارئي هموم الخلق أجمعين كنت سأقول لها لا أيضاً وأفرغ لها نفسي أمام تلك النظرة من عينيها الصافيتين. د
انطلقتْ تتكلم.. وفاجأتني -عكس ما كنت أظن- أن بيتي العالي الذي بنيته لنفسي عندها لا يزال قائماً. وإن كانت الأهواء قد عبثت ببعض محتوياته وأثاثه. د
هزتني بتذكرها لأدق التفاصيل: يوم أن أدارت كلتانا ظهرها للأخرى في صمت مطبق، لما قرصت قلبها وأغمضت عينيها عني، نظرة اللامبالاة التي رميتها بها، التربيتة التي ربتـُها على كتفها الأسبوع الماضي والإحساس المربك الذي وصلها مني. مربك لكونه متناقض مع العبث الذي أصاب بيتي عندها وأثارته الأهواء والظروف وجهلي.
فاجأتني وصدمتني لما قالت لي إني في اليومين الماضيين أذقتها شيئاً حلواً.. ثم صمتت لتأخذ نفساً وأعادت ما قالته وزادت عليه: دد
د-"دوقتيني حاجة كنتِ حارماني منها.. كنتِ حارماني منك يا دعاء.. كنت حارماني نفسك يا دعاء".. أسقطت بكلامها قلبي ودمعي في حجري، وكان نطقها لاسمي وقع جميل ومُربك في نفسي. د
تركنا ما يثقلنا ومشينا في نفس الطريق الذي أخذناه سوياً مراراً من قبل..د
مشينا وقد تخلصنا من إدراكنا للمسافات.. د
مشينا ونحن نتجنب الدخول في التفاصيل الصغيرة لكي لا نتوه بداخلها فتأخذنا منا. والوقـت يمضي مبللاً بطعم الملح. وظللنا نبتعد عن التفاصيل ونمعن في التجريد حتى وصلنا للضفة الأخرى منها، فأحاطتنا بالرقة والدهشة والوجع! د

ولم نترك بعضنا إلا وقد عاد بيت كل واحدة عند الثانية أقرب مما كان عليه.. رائقاً، جميلأً، دافئاً، وعامراً..د

*** *** ***
الإثنين، 26 مارس، الثامنة والنصف صباحاً

لم أكن أدرك قبل هذا الصبح معنى اسم "الآخـِر" من أسماء الله الحسنى. كنت كلما مضى وقت وجد جديد في أمر ما، أقول إن هذا هو آخِره. ثم أكتشف أن وراء الآخِر آخِـراً ثان. حتى مللت الأواخر وقررت ألا أسعى للاكتشاف والمعرفة خوفاً من آخـِر آخـَر. ودعيت الله "الآخـِر" ألا يكشف لي آخـِراً آخر فقد اكتفيت بما لدي من أواخر! د

كانت صدمة المعرفة أكبر مني.. وكان السيل قد بلغ الزبد.. وقد فرغت طاقاتي في دفعه بعيداً عن الرُبــى. د
وبينما كنت أدعو الله "الآخـِر" رب كل الأواخر، أدارت لي صديقتي أغنية انسكبت عليّ كنحاس منصهر وأصابت آخِر (آخر) عرفته، ولم أكن قد وجدت سبيلاً لمرارته ولا أستطيع ابتلاعه. د
فبلغ السيل الرُبــى.. وخرج من عيني هادراً صارخاً كاسراً قوانين صمتي ومبددا لسكون أول الصبح! د

*** *** ***
الأربعاء، 28 مارس، 5 مساءً


كنا ثلاثة.. لـمّ شملنا الحماس والصدق والحب ورغبة في الانطلاق سوياً في سيارة واحدة منا.. د
نروح نقعد في كافيه؟
ولا ايه رأيكم في كارفور؟
لأ.. كافيه
آه كافيه بس مختلف غير سيلانترو.. د
وانطلقنا للزمالك وأخذتنا ملابسات الوقت المسموح لنا وتدابير الصدفة إلى "الديوان"..
د
التففنا حول طاولة على مقاسنا، صغيرة، وبثلاثة كراسي.. على يسارنا كانت الكتب برصاتها المختلفة، وعلى يميننا يقف شاب البوفيه الأنيق المهذب. وخلفه البوفيه؛ صغير بأكواب متناسقة مع جو المكان، معلق فوقه حيلة مبتكرة من قماش الكتان السميك أو الخيش، بجيوب صغيرة لحفظ باكيتات الشاي والقهوة والنكهات، وثلاجة قصيرة بباب زجاج يكشف ما بداخلها.. لم نخطط ماذا سنفعل، ولم تزعجنا لحظة الصمت التي تصيب الناس في الأماكن الجديدة، بل ألفنا المكان وإن لم نفقد سعادتنا ودهشتنا من طغيان عبقه الشرقي.د

انسكبنا في فوضى محببة نحكي ونضحك ونقاطع بعضنا بدون ضيق ونغلط في الكلام من استعجالنا عليه حتى لا يهرب منا. كنت أستمع وأضحك وأبعثر الحروف أكثر مما أتكلم، وأتنقل بين عينيهما وملامحهما التي بدت لي ناصعة مثل غرة الحصان.. لم يكن ذلك بفعل الإضاءة... لا أعرف.. لكن كانت ملامحهما وعيناهما ناصعة! د
كنت أتابعهما وأشارك بحدوتةـ وضحكة، أو اعتراض، أو مقاطعة خارج سياق الحواديت مبدؤها شهقة لأن أغنية جديدة جميلة اشتغلت. ومع أني كنت جالسة على الكرسي، كنت أنفصل جزئياً ثم أعود.. سبحت فوق السقف، ودخلت في السماعات التي كانت تنهمر منها موسيقى (سعاد ماسي، وآرمسترونج، وآخرين لا أعرفهم!)، ولبست الكف الأزرق في اللوحة التي تحتفل بمرور 5 أعوام على المكتبة، وصرت مثل فواصل الكتب وتسحبت داخل الكتب الصغيرة المتزاحمة في الرفوف بألفة. كانتا تضحكان مني وتشيران بيديهما أمام عيني لأعـود إليهما.. وتصفاني بالمسافرة أو ذات الروح الهائمة. ومثلما انسبت مع حواديتنا الحلوة، الشقية، والفوضوية، كنت أنساب بين أطياف اللون البني في المكتبة، والتي تبدأ من الورق الغامق مروراً بدرجات البني في الخشب المتفاوتة بين الصراحة والنعومة. بينما أترك قطعة التشيز كيك في فمي ولا آكلها فتذوووووووب وأستمتع بطعمها أكثر.

لم يـبق أمامنا غير لفة متعجلة في المكتبة. وأجلت رغبة للشهر القادم لامتلاك كتاب "عين حورس" للمصور الإيطالي "مارشيللو بردانتي" الذي صور من مصر من فوق، وخرجت بـ"حين تركنا الجسر" لـ"عبد الرحمن منيف".. بعد توصية إحدى صديقتي به.
وكالعادة تسرسب الوقت منا، وكلما مرت ربع ساعة، كلما كبرت توقعاتي حول رد فعل السلطة البيتوتية ضد التأخير! د

*** *** ***
الخميس، 29 مارس، 7 مساءً
التففت أنا وهي لنسمع أغنية
"Mr. Lonely"،
وبالتحديد حول صوت يشبه دونالد دك لما يكون تعبان وغلبان.. وامتد التفافنا حول بعضنا لما بعد انتهاء موعد الشغل.
وتلقفنا الطريق...
د
كان نصفها الآخر في الطريق إليها، فأردت أن أنتظر معها ولكن لا أريد أو أرى الأسفلت الذي اسود من خطايا البشر. دخلنا ماك ورأينا عجائب سوداء أكثر من الأسفلت..! حكيت لها عن رغبتي في تعلم عمل يدوي خصوصاً وأنا لدي أفكار له ولأنني لا أجد ما يوافق ذوقي.. وحكت لي عن د. فـيل وبرنامج أوبرا وينفري وتجارب لسيدات تعلمن عمل يدوي.
لم نكن قد جلسنا عشر دقائق حتى اتصل بها يخبرها بوصوله، فإذا بها تقول له إنها معي ويا حبذا لو يعطيها ربع ساعة. لم تكن تطلب بتوسل، ولم تكن تأمر، ولم تجادله أو يجادلها.. وأحسست بأنه مثلها؛ موافق بدون تأفف أو إحساس بالفضل. وافق.. وهكذا فقط.
قلت "ما شاء الله" في سري.. ودار بذهني خاطر جميل لأجلهما أسعدني. حاولت أن أكمل كلامي، لكن خاطري قاطعني ولم أشأ أن أبخل به عليها فشاركتها سعادتي به. قلت لها إن مفهوم "لين الجانب" تجسد لي وقت كلامها معه أمامي. فما شاء الله لم يتشادا، ولم يعتب عليها لأنه خارج من الشغل وقادم من مكان بعيد، وهي لم تفعل ذلك لأنه تأخر.. كل واحد منهما -ما شاء الله- يعرف مساحته عند الآخر. حدثتها بخاطري حتى وصلها كما دار.. فرحت وأمسكت يدي وهي تقول لي: "إنتِ بتقولي كلام حلو أوي"!! د

ودعتها بعد أن قلت لها شيئاً عزيزاً، أحب أن أحتفظ به لها داخلي.. (؛ د

وركبت السي.تي.ايه. كانت المسافة على غير العادة واسعة بين الكراسي، فملت بجسدي بزاوية لأسمح لي أن أضع رجل على الأخرى وتأكدت من وضعهما بشكل لائق لا يفشي سراً لهما. ضحكت في سري وأنا أفعل ذلك لما تذكرت إحدى المرات التي كان السي.تي.ايه يمرّ بالمناسبة على محل أعرفه بواجهة عريضة ومرايات، وفي كل مرة يمر عليه أحب أتفرج على العجلات وهي تنزلق بثقل على الطريق المنخفض أمام الواجهة.. كان السي.تي.ايه يمرّ أمامه وأنا أضع رجل على رجل.. فنظرت إلى أسفل واجهة المحل لأرى إن كان هناك شيء ظاهر من رجلي!! د

استرحت في جلستي. وأمسكت بـ"حين تركنا الجسر"، وضبطت موجة راديو الموبايل على البرنامج الموسيقي.. وربضت أمام الجسر مطمئنة.. ليس مثل "زكي نداوي" الذي يتحرق شوقاً لصيد الملكة. كانت المقطوعة الموسيقية التي تعزف في أذني تقول اسم صديقة أخرى لم أسمع صوتها منذ فترة. ثنيت الصفحة على "زكي نداوي" وهو يحدث كلبه "وردان" واتصلت بها، وقبل أن ألقي عليها السلام قابلتني بـ"واحشاني، واحشاني" وكأنها تعلم أنني سأتصل بها أو كأنني كنت على بالها كما كانت..
د- عايزة أشوفك
د- وأنا كمان
د- إنتِ في الشارع
د- آه
د- طيب، هاكلمك لما توصلي البيت

وصلت البيت وكان الاتفاق أنه لابد من لقاء في أقرب فرصة. وأقرب فرصة في شـمّ النسيم

*** *** ***
الأحد، 8 أبريل، 6 مساءً

مــرّ النهار بثقل لا يُحتمل.. وأنا منذ الساعة الواحدة، أنتظر الساعة الرابعة والنصف -موعد انتهاء العمل- لكي تأتي.. وهي تتثاقل هي الأخرى كيومها ولا تريد أن تأتي! د
جاءت
رآني... رحب بي مرات.. مرة منادياً لي بالأستاذة.. ومرة منادياً لي باسمي ففرحت بتذكره لاسمي. سألني عن طول غيابي.. كنت لا أريد الدخول في الأعذار التافهة وأريد أن أرتب كلامي.. قلت له عفوياً:
د
1st of all
لم يدعني أكمل لأنه ضحك جداً وكررها متسائلاً: ايه إنت هتخطبي ولا ايه؟
د
أكملت
يجيد الاستماع بفهم وتفاعل. سألني عن كتاباتي.. ماذا أكتب؟ ولماذا أكتب؟ ولماذا لا أنشر... وأسئلة كثيرة تطول إجاباتها. كنت أحاول أن أختصر فلم أترك حبات الكلام فيما أحبه -وكم أحبه- تتناثر مني. وكان منصتاً لي، وهو ينظر إليّ بعين سعيدة وابتسامة عريضة وكأنه فرحان. وكلما مضيت في الكلام، اتسعت ابتسامته وفرحته حتى قاطعني وهو يشير بيديه إشارة النفي وكأنه غير مصدق: "ما شاء الله.. ما شاء الله عليكِ.. مش ممكن.. عسل.. بجد كلامك حلو. كلامك وتعبيرات وشك". وكعادتي تدحرج وجهي في الأحمر، وارتفعت درجة حرارته. ولأن ذلك قد حدث معه سابقاً، ضحك جداً وهو يقول لي: لأ وشك ما يحمرش.. عشان أعرف أقول لك..
د

*** *** ***
شم النسيم.. الإثنين، 9 أبريل، 6 مساءً

أربعة كنا.. تقابلنا وتعانقنا أمام الجامعة الأمريكية، ولم تمنعنا طبيعة تحية شعبها الباردة من ذلك.د
ثم انطلقنا لنشاهد فيلم في حي مصر الجديدة الذي أقضي فيه جزء من عمر أيامي من سنتين ونصف! لم نجده في أوديو، ورفضت دخول سينما مترو لتجربة مشاهدة ردئية حضرتها فيها... إذن على ريفولي. ولم يكن شعب ريفولي أفضل من شعب مترو الغوغاء المتشردين في زي ملابس المدينة! د
جلست وقوى الشر تتدافع في عروقي متحفزة ضد أي فعل غير لائق.

ودخلنا في شقة مصر الجديدة.. الأفيش هو ما شدني للفيلم منذ أن رأيته. ورفضت أن أعرف أي شيء عن القصة والأحداث حتى لا تفسد المعرفة -كعادتها معي مؤخراً- متعة مشاهدته. ولكي لا تحرق لي ما وصلني من الأفيش الذي يقول ولا يفصح بالتحديد؛ زاوية التصوير.. وقوف البنوتة أمام شراعة باب من الأبواب القديمة ذات الحلى المعدنية التي أحبها.. ظهرها للظلام المحيط بها، النور المشع الذي يأتي من الشراعة، وقوف الكاميرا هكذا وتصويرها لها هكذا، كل هذا يعني انتظار وحدوث! د

لم أركب الأسانسير القديم، بل صعدت إلى الشقة على درجات موسيقى "قلبي دليلي" وتامر كروان، والخط المنساب بلونه النوري الذي كتب به اسم الفيلم، والنسمتين المنبعثتين من قلب أحمر فوق اسم الفيلم. وتشتتني صرخات الحاضرين البلهاء، وضحاكاتهم الأكثر بلاهة منهم. إذن، إما إني أترك قوى الشـر لتقوم بوظيفتها، أو إني أنفصل تماماً لأنني -وبصراحة يعني- لن أقدر على الغجر.
أكملت صعودي من المنيا حتى محطة مصر مع "نجوى". بنوتة حقيقية، خجولة، تسكنها دهشة من عالم مدينة غريبة اسمها القاهرة كلما فاجأها عالمها قالت بلـكنة محــببة: "وّاه.. كييييف؟!!". يقــودها قلبــلها بدلـيل لا صــك له أو أوراق ولا تمغة ولا شـعار النسـر. تمشي وراءه ليوصـلها حبـها لــمدرسة الموسيقى "تهانـــي" لحــب "يحــيى".
د

هو يعيش نهار يومه في الشغل بحاجبيه المعقودين.. ويقضي ليله مع واحدة يحـتاج (شــــــــيئاً) منها ولا يحــبها. مشغول بعمله ولا يفكر في الالتزام ولا يطيق السكن في شقة تسكنها عفاريت الذكريات.
وهي تسقط أمامه من السماء، ببكرها، بعفويتها، ببساطتها، بحاجبيها المرتفعين استغراباً وقلقاً، بأصابعها التي تشبكها أو ترجع بها خصلات شعرها خلف أذنها كلما داهمها الخجل، بفستانها الرقيق وصندلها البنانيتي.
يرفضها.. تلفت انتباهه.. يبدأ مساعدتها.. يشعر بأنه مسئول عنها، تقول له بكسوف إن اللي هتحب واحد، مش هتدور على سنّه. يستبقيها لما تقرر العودة متسائلاً: "طيب وتهاني؟؟ هتسافري المنيا من غير تعرفي ايه اللي حصل لتهاني؟؟"دويكذبان على بعض.. "تبدو كأن لا تراني وملء عينك عيني.. ومثل فعلك فعلي.. ويلي من الأحمقين
مولاي لم تبقِ مني.. حياً سوى رمقين"! د
يداريان عن بعضهما: "رحت سألت عليك في الشغل عشان أقول لك إن أبلة تهاني بعتت لي جواب"، فيعقد حاجبيه مثل بطل أغنية فيروز ويرد: "آه، وأنا كمان كنت بادور عليكِ عشان أقول لك إنها كلمت أستاذ شفيق وقالت إن عفش شقة مصر الجديدة هيروح على بورسعيد".. د
الموسيقى ثلج مثل الحرير.. د
والإضاءة تشع في الأركان مثل القصب المطرز للحرير.. على البيانو، والجوابات، والأركان المتربة في الذاكرة
وأنا معهما، أركب الموتوسيكل وأسابق الريح لأتتبع الدليل وقلبي يحكي لي وأصدق قلبي..
د
نخرج نحن الأربعة وأطير في شوارع وسط البلد، نسترجع مشاهد من الفيلم.. نتذكرها ويتذكرنني ويضحكن.. تغيظني إحداهن.. أخفف من سرعتي لأتوقف فأتخلف عنهن، أو أزيد منها فأسبقهن احتجاجاً. يداهمنا الوقت والتوقعات تكبر، فنتعانق وينادينني ضاحكات "سلام يا نوجـة" وهـن لا يعرفن أن ماما الله يرحمها اسمها "نجوى"! (: د

*** *** ***


وقفت أمام المرآة -في منتصف مجرى التيار- أسرح شعري المندي بمشطي الخشب ذي السنون الواسعة.
يتخللني تيار الهواء ورائحة الياسمين القوية. بينما يكمل جسدي تماوجه على إيقاعات انسيابية منضبطة من اللحن العذب الذي أكمل سكناه بداخلي
وفي المرآة ألمحها خلفي، كوباية الشاي الباردة، يسبح في منتصفها عود نعناع أخضر.
دعاء سمير
الإثنين 10 أبريل
الثالثة فجراً بعد شـم النسيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Monday, March 26, 2007

وكأن الروح لا........ د



وكـأن الــروح لا تبــرح جسـدي تماماً أثنـاء النــوم.. وتكتفـي بالطفـو فوقـه والحـوم حـول وعـيي وقـلــبي..! د


في جوف ليلة الأمس.. تقلبت في نومي الخفيف، والتقلب يلازمه أن أفتح عيني لأرى كيف حال الليل، وإلى أي ساعة سرى. ولأتأكد من أن
إخوتي -المحبين للنوم في العتمة- تركوا لي بصيص الضوء كما أريد ولم يستغلوا نومي ويطفئونه. ولآخذ رشفة تدفئني من التلاوات والتواشيح التي تبثها إذاعة القرآن الكريم

تقلبت فصرتُ في مقابلة مع الليل، وغرفتي، وأشيائي فيها. ومن فرجة الباب، أحسست بحركة عابثة في الصالة.. فتحت عيني تماماً وتسحب بصري على أطرافه حتى رأيت طرف ستارة شباك الصالة وهي تطير وتتماوج وتلمس كل شيء في محيطها، فتصدر أصواتاً كالحفيف حيناً والفحيح حيناً آخر!
د

دبّ الاستيقاظ في كل حواسي فقمت من السرير. وبمجرد ما تخطيت عتبة غرفتي، تناهى إلى سمعي أصوات للشتاء شجية قوية، وكأننا في ديسمبر أو في يناير؛ ووقع هطول المطر، وصفير هامس لريح باردة

توضأت ونويت الدعاء والصلاة..
د
والمطر لا يزال ينهمر..
د
والشتاء لا يزال يحكي بالماء، والهواء.. وكأنه في كامل عنفوانه.. وكأنه لا يتبقى شهر ليلم متاعه ويرحل حتى يحــلّ الربيع والتراب! د

لففت حولي الروب جيداً وفتحت البلكونة لأمتع ناظري بالشتاء وسكون الليل
كان الشارع يغطّ في نوم ثقيل. والبيوت -على غير عادتها- ساكنة لا تحكي، ولا تشي بأي حياة. تجاهلتهم ومددت بصري للسماء لأرى ينابيع المطر


لم تكن السماء مثل الأصوات التي وصلتني في الداخل؛ عفيّة، نشيطة، (صابحة)... بل كانت ثقيلة، هامدة، ومتشحة بدرجة غريبة من اللون الأحمر. ليست درجة الخطر، أو الغضب، أو العدوان، أو حتى الحزن الخالص..
د

بل درجة التعب.. فبدت مثل فلاحة متعبة شاحبة الجمال، أمام فرن بارد لا يخرج منه رغيفُ عيش!! د

ــــــــــــــــــــــــــــ

Friday, February 09, 2007

حدوتة من الحواديت

(ــِ)
كـسـرة!! د


خرجت لا أنوي على شيئ غير الوصول إلى عملي الذي يبعد عن قريتي عشرات الكيلومترات، أقطعها بالقطار، حيث أنني كنت أقضي أجازتي مع أبي وأمي وعليّ أن أعود لعملي. أنتهز فترة الصبح في القراءة أو ممارسة متعة الشوف لأمتلئ بالخضرة والهواء المنعش الذي سأستنفده في المدينة حتماً. شدتني رواية "تلك الأيام" لـ"فتحي غانم" ودرتٌ مع بطلها "سالم عبيد" المؤرخ الذي يبحث عن تاريخ ليكتبه. أخذتني أنا والوقت فلم أشعر إلا بصفارة القطار تنطلق في محطة مصر، معلنة الوصول.

وصلت أولاً، وغالباً ما أصل قبل الجميع مع أنهم من سكان القاهرة! مساكين... كيف لهم أن يستيقظوا بدري وهم لا يهنأون بنور النهار ولا بظلام الكون بالليل المريح للأعصاب؟! وكيف لهم أن يصلوا بدري وعليهم أن يجاهدوا يومياً ذلك الكائن الأسود الرابض في سماء مدينتهم وحياتهم، الذي يغشى الأنوف ويملأ الحلوق والأبصار؟!؟ د

أسعد دائما بتلك الدقائق التي أقضيها وحدي والمكان لا يزال ناعساً هادئاً. أطلب قهوتي فأستمتع برشفها غير آبهة بزميلي الذي يجلس بجانبي -فهو لم يصل بعد- ولا يطيق رائحتها ويفسد عليّ متعة شربها بالتأفف، فأسرع في ارتشافها وتحرقني سخونتها في الجوف. وأنتهز الفرصة لأدير ما أختاره من موسيقايا في الهواء بدون سماعات تحبس صوتها في أذني، لأصحّي بها المكان وأنعشه قبل أن يأتوا. فتصطدم بالسقف وتنزل على الأرض السيراميك بعد أن تلامس الجدران الملساء وتتجاوب مع بعضها. وأستفتح شغلي متبركة باسم الله.

يبدأون في التساقط تترا.. أحب معظمهم، فأبادر من أحبهم بالتصبيحة "صِباح النوووووووووور". مع أنهم هم القادمون ومن المفترض أن يلقوا عليّ أمنياتهم بصباح جميل، وخير، وفـُل، وقشطة، كلٌ حسب طريقة تصبيحته. لا أسلم من تعليقاتهم اللطيفة أحياناً والثقيلة في أحيان أخرى على اللكنة التي أنطق بها التصبيحة وأغلب كلامي، نظراً لأني من ريف الأقاليم. تلك اللكنة التي تظهر قوية جداً ولا تخطؤها الأذن في المدّات التي تميل لحركة الكسر.. غالباً ما أضحك معهم على نفسي، وأسخر من تلك الكسرة المحببة لهم التي تلازم معظم كلامي، بل وأحياناً أسمع منهم كيف ينطقون الكلام مفتوحاً كما ينطقه أهل القاهرة وأضحك. لكن في أوقات كنت أختنق منها.. من تلك الكسرة.. وأسألهم: "أمال بتقولوها ازاي؟" وأحاول جبر الكسور لتصير فتحات.

طالت مدة شغلي في العاصمة القاهرة.. لماذا سموها "عاصمة"؟! العاصمة تتناسب مع طبيعتها القاهرة؛ تقهر ما خارجها لتعصم ما بداخلها. لكن هل يتضمن الاسم مفارقة من كونها لا تعصم أبداً؟ كيف تعصم وهي مليئة بلحوم بيضاء وحمراء و-أحياناً- سمراء تتناثر على كورنيش النيل وفي وسط البلد وأقل ثمناً بكثير من اللحوم التي يعلقها الجزار والفرارجي وبياع السمك؟ هل عصمت أهلها من الحاجة؟ وهل عصمتهم من الهـمّ والحزن والتعب؟ وكيف تعصم والأنوار المبهرجة تنسكب في سمائها وتخطف كل بصر لم يعتد سوى الضوء الرباني؟
طالت مدة شغلي في القاهرة.. وبعد أن كانت أسرتي رافضة تماماً فكرة الإقامة في المدينة، وبعد أن كنت أقضي ربع يومي وأنا عابرة سـُبل، اعتاد أبي وأمي على ابتعادي عن البيت، وقلت المساحات المشتركة بيننا، ووثقا في أني بنت جدعة فسمحوا لي بالإقامة مع خالتي الوحدانية، بعد أن هاجر ابنها وتزوجت ابنتها وفارقها زوجها لحياة أخرى.
صرت أفهم كلام أصحابي من أهلها.. كلامهم مختلط لا رائحة له، ليس مثل كلامنا الذي أشـمّ فيه رائحة الغيطان، والطينة، ومياه الري. لكن له طعم مميز لم أجد له وصفاً حتى الآن بعد قضاء ثلاث سنوات في القاهرة! وصرت أعرف القوائم بالأسعار في المطاعم والكافيهات التي لم أكن أراها إلا في المسلسلات، كنتاكي، وبيتزاهت، وهارديز، وسيلانترو، وبيكري... وغيرهم كثير. وصرت أعرف الماركات وأستطيع الاعتماد على نفسي في السير والشراء. لكنني لم أستطع التخلص من الكسرة التي تكسر كل كلامي.. مع أني، والله، أعرف كيف أتحدث.

طالت مدة عملي في القاهرة، وتكونت لي دوائر فيها واتسعت.. دوائر من الأماكن، والأسامي، والأحداث، والأرقام، والوجوه. وأصبحت الأوقات التي أختنق فيها من كسرتي، تزداد امتداداً كلما قضيت يوماً هنا.. وتتقلص قليلاً كلما رجعت لقريتنا في آخر الأسبوع. حتى كان ذلك اليوم الذي كنت أتحدث فيه أمام قادم جديد على الشغل وخرجت مني لفظة مكسورة "قـِريت في الدستور إن...."، ولم يكن يعرف هذا القادم أنني لست قاهرية، فأطرق السمع ومال ناحيتي وهو يقول: "...... ايه ف الدستور؟؟" فضحك أحد أصدقائي الأعزاء وقال فيما يشبه الاعتذار: "معلش أصلها مش من هنا"..د
فقررت أن أجبر كل كسور كلامي.

صرت أفكر، وأنتظر أكثر قبل أن أنطق بأي كلمة. بل أصبح من الممكن أن أسأل أصدقائي كذا مرة في الجملة الواحدة عن الكلمات المشاركة في تكوينها: "هِي بتتنطق مفتوحة ولا مكسورة؟".. بدأت محاولاتي تحصد ثمارها شيئاً فشيئاً. لكن على الرغم من إن أغلب كلامي صار يميل للفتح والاتساع، قلّ معدل سرعتي في الكلام وتدفق أفكاري عن الأول. ومع أن الكسور اختفت تقريباً من نطقي، إلا أن الجمل تخرج أحياناً مكسورة. قلت أكيد فترة وتعدي لأني كأني أتعلم لغة جديدة.. ويلزمني مدة حتى أتأقلم عليها وهي نفسها تركب عليّ.

زاد تعودي على الفتحة، وانكمشت فترة التفكير التي كنت آخذها للتأكد إذا كان ما أهـمّ بقوله مفتوحاً أم مكسوراً. سعدت بهذا الإنجاز الكبير الذي يفوق كل ما قمت به في عملي ومجالي في السنوات الثلاث.. لولا ذلك الاختناق والثأثأة اللذان أصابا تكوينات كلامي، ولولا ذلك الضيق الذي يسحبني لتحت كلما نسيت وسحبت الفتحة لتحت فتصبح كسرة. لكن سعادة أمي كانت مكتملة، وكانت تتباهى بي أمام إخوتي الكبار وأختي المتزوجة: "شوفي البنت بقت بتتكلم ازاي؟؟ زي بتوع مصر"، وتضحك وهي تنظر لأبي الذي أجد على وجهه تعبيراً لا أفهمه. لم يشاركها أبداً سعادتها بقاهريتي الجديدة.. شاركها فقط ملاحظاته على تغيّر كلامي.. ملاحظات متحفظة.

تفتح كل كلامي.. ولم يعد أصحابي مضطرين للتعليق، والضحك، أو الاعتذار لكل غريب يسمعني ولا يدرك أنني من محافظة أخرى. وحلّ مكان تعليقاتهم اللذيذة أحياناً والثقيلة في أحيان أخرى، نظراتُ تتراوح بين الإعجاب، والعِشرة، والتساؤل. تطمئنني نظرات الإعجاب والعِشرة، التي تأتي منهم كلهم، متبوعة غالباً بإنهم يقولون لي: "ده إنتِ خلاص بقيتِ زينا تمام".. لكن تلك النظرة التي تباغتني من زميلي الذي يتأفف من رائحة قهوتي الصباحية، تشعرني بالغربة وأشياء أخرى تكاد تدفعني لأسأله لماذا ينظر لي هكذا.. لكني أخاف من الجواب الذي لا أعرفه! د

لاحظ أبي الرجل الجامعي الذي رفض أن يترك بلدته، تلعثمي والكسور التي أصابت تكويانتي. واكتفى بالإشارة لأمي: "آدي اللي عمالة تتمنظري بيها وتقولي إنها بقت زي البربند"!! لكنني لم أهتم، وأصررت على ألا أتخلى عن فتح كلامي حتى وأنا أقضي معهم أجازة آخر الأسبوع، أو الأعياد. أصررت لأني أعرف أن المسافات ستقل بيني وبين القاهرة ولن أقضي ربع عمري وأنا عابرة سـُبل.

** ** ** ** **

خرجت لا أنوي على شيئ غير الوصول إلى عملي الذي يبعد عن بيت خالتي بضع كيلومترات.. وصلت وكانوا هم قد سبقوني في الوصول، صبـّحت عليهم: "صباح الخير".. فباغتني زميلي الذي لا يحب رائحة القهوة:"الله يرحم صِباح النووووووور.. راحت فين؟"د
انخرطت في الضحك معهم وهم يتذكرون كسراتي.. ضحكت لأداري كسرة أصابتني بغصة في حلقي وألجمتني عن الكلام.
استفتحت شغلي باسم الله. ولم أطلب القهوة مراعاة لزميلي الذي باغتني.. وبالطبع اكتفيت بحشر أذني في السماعات لأسمع فيروز وهي تغني للدنيا حتى تشتي.. أنا أيضاً نفسي الدنيا تشتي، وأحب المشي فيها وهي تشتي. نظرت للسماء متمنية أن تشتي لعل المطر يزيل ما ألجمني، وتلك الثأثأة الغائرة في روحي. صعدت إلى آخر نقطة في قلبي.. تلك التي تدخل منها الروح والحب وتسكن فيها الأسماء والذكريات. ولفّني حنين غير مبرر مجهول المصدر، غير مرتبط بمكان وخارج حدود الأزمنة.

جاء الوقت المخصص لتناول الإفطار.. لم آخذه واستمررت في الصعود حتى وجدتني في جبهة السماء. تكتنفني بلونها وسحبها المخملية الناعمة. تتغلغل خيوطها داخلي وتصبغني بنفس اللون ونفس الدرجة.. تلك الدرجة التي ينتهي إليها البصر في آخر العيون الزرقاء ويبدأ بعدها الأفق في البحر.
التفوا حولي وسألوني: "مالك"؟ وألحوا عليّ في السؤال. لكن لجامي لا يزال معقوداً..

ومضى اليوم وزميلي يتأفف.. ليس من رائحة القهوة.. بل من صمتي. ولما فاض به الكيل، دفعني بصوته الأجش:
مالك؟
انتبهت وهرعت مجيبة إياه: د
إصلي قـِريت موضوع ف الـ......... د

**************

Monday, January 22, 2007

على أول "ــــــــــــــــــــــــــــــــ" د

على أول "ـــــــــــــــــــــــــــــ"... ســــطر


بعد منتصف ليلة من ليالي أحد شهور مارس التي تأتي كل عام في الخانة رقم ثلاثة.. كنت مللت من المذاكرة فجلست أقرأ بعض ما كتبت، وأتذكر بعض الآمال التي عُقدت ممن حولي... كان أولهم بابا وماما الله يرحمها، والصمت الذي يغلف أخوتي بعد الرفض والشغب لما أجلسهم لأقرأ عليهم حاجة جديدة كتبتها، وتلك الدمعة أو الابتسامة أو التنهيدة التي تنسلّ من أصحابي لما أتلو عليهم بعضاً مني، وتشجيعات أساتذتي في المدرسة ثم الجامعة.. وقررت الهبوط من على سطح القمر الذي لم أصله أصلاً، وقلت: "لا مش ممكن.. مش معقول يعني"!! د

وفي نفس الوقت، كنت أريد أن أعطيه شيئاً، شيئاً كبيراً.. أكبر من الدنيا ومني... لم يكن لديّ أرض، ولا نخلة، ولا مفاتيح الحياة... لا أملك غير القلب والحواديت.. قمت وقطعت ورقة من النتيجة بتاريخ ذلك اليوم قبل أن يبدأ نهاره! وكتبت له عليها:"هذه المجموعة هي أول ما بدا من براعم أفكاري وخيالاتي.. أقدمها لك على استحياء، راجية أن تـُنعم عليها بقراءة لعلها تكون بـرد الندى يفتـقـها باعــثاً فيها روحاً جديدة"... ووقـّعت تحتها توقيعي الذي أخذ مني سنين ليتشكل وكان في كل امتحان يختلف عما قبله حتى ثبت في الإعدادية

ومـرّ كذا مارس، ولا يزال كما هو؛ يأتي في الخانة الثالثة من السنة ولا يتزحزح عنها...!!د

في التعليقات على آخر تدوينة/تدشينة عند "من نفس محمد هشام"، أفشيت سراً من أسراري عن الكتابة وفواعلها فيّ. كان ذلك السر في أحد أعاليه يوم الأربعاء لكن في العشرين من سبتمبر السنة الماضية، السابع والعشرين من شعبان.. لما كنت أكتب
"الرجل ذو الجلباب الأبيض"... كنا مزنوقين في الشغل، وكنت ملتزمة بمواعيد تسليم لم أوفِ بعضها.. وكنت أعمل في كذا موضوع مع بعض وإذا بجلباب أبيض يكتنفني ويبدأ في بسـط نفـسه عليّ بالكامل، وكأنني أتعـجل رمضان قبل أوانه.. بينما تأخذ شلة الصحبة التي تحب الكتابة راحة بتناول الكشري بعد المغرب. بدأت أكتب على الورق بالقلم الأسود الحبر -بالتحديد يوني بول السميك-، كتبت نصفها وتوقفت لألمسها وأتحسس مواضعها في روحي.. ثم وجدت أن الحروف تتسرسب مني ويدي لا تلاحقها.. فأكملت على الكمبيوتر. ولا يحتمل الأوفيس ما كنت أكتبه فيتعطل تماماً!!د
وبالحيلة والأكروبات قدرت بفضل الله أسيـف ما كتبته وأطبعه قبل ما يلفظ الجهاز أنفاسه. كنت تعبانة منها فهي لم تترك لي نفساً، لكن هذا لم يمنعني من إني أجري عليهم لأخبرهم بالحدث الجديد لعلي أتخلص من جزء من حملها برميه عليهم بالقراءة. وكان القرار المفاجئ من
أستاذ أحمد عمار-قبل القراءة- بإننا نذهب لمعرض للشمع.. ونزلت معهم بعد عمل حركات أكروباتية أخرى مع بابا، من المحايلة، والمصالحة، والتنطيط في التليفون وكل ما يلزم ومعروف للبنات اللي زيي ليوافق.. نزلت معهم فقط لكي أقرأ لهم ما كتبت وهي خام، بدون اسم ولا ، ولا لفـة، ولا حلق. وانخرطوا طول الطريق من مصر الجديدة لجامعة الدول في محاولات لحلّ مشاكل الشرق الأوسط، وكسوفي يمنعني من مقاطعتهم لأهمية الموضوع.. فلم يتبق لي في الآخر إلا بضع دقائق على قارعة الجامعة العربية.. هم يأكلون الرز باللبن، وأنا أقرأ حتى وجدت لها اسماً عند محمد

وكانت الفكرة: نعمل جمعية في كتاب.. ثم كان التفكير: نعمل كتاب في جمعية.. ثم كان التنفيذ: نكتب على أول سطر

طلع مـنّا بالطو أبيض القلب يتأمل، وجوافاية بلدي طايبة في انتظار القطف.. وبكرة إن شاء الله يطلع لكم الحنين والشوق والصبح على أول سطر...! د



**************

جزء من مسودة المقدمة قبل التعديل..

أُغلقت الأدراج بعد أن ضمّت قصاصات مكتوبة وأخرى لم يـُشرع في تصنيف طبيعة وجودها. انطفأت الأنوار وانتهى الصخب عند زرار النور

د -"آآآآه، لا أستطيع احتمال حرارة يديه وما كتب فوق خدودي.. أتستطيعين أنتِ؟!"د
د -"ليتني أحوي بعض ما كتبه فيكِ... لقد كتبني في تلك الليلة من ديسمبر لما اكتمل القمر وغابت السحب خلف ملامحه، واختبأت النجوم في جيوب السماء هرباً من السقيع.... كان يوماً قارصاً ولم ينج كيانُه من برودته فأسكن جزءاً منها فيّ إلى الأبد!!"د

وكانت تلك المصفرة التي اختلط فوق سطحها الحبر حتى ذاب في سطورها تنظر إليهنّ وتتابع حديثهن بابتسامة واسعة، وسع عمره وحروفها. وبالتحديد، تراقب تلك الصغيرة التي بدون عنوان وبدون نهاية ولا يوجد فيها غير أول سطر... لا تهدأ ولا ترسو في مكانها وتتنقل بين زوايا الدرج الضيق... عذرتها.. فهي لم تكتمل بعد، تقافزت وهي تقول: د
"ألا يمكن أن يوسع علينا قليلاً.. بل كثيراً... ألا يمكن أن يجمعنا مع بعضنا.. طيب والله فكرة... يلمّ شملنا مع بعض فيحرر حرارتنا وبرودتنا.. وربما ننطلق من زقاق المكتب إلى ميدان السماء...."د

هكذا حدثت "قصاصاتنا" نفسها -من ورائنا-، وهكذا حدثتنا أنفسنا
أيمكن؟؟! د
أيكون؟؟! د
أجائز؟؟! د
أن نجمع خطواتنا، ودروسنا، وعيوننا ، ورائحة ديسمبر والفــُل، وطعم اللارينج بالقرنفل، ولون الدنيا وهي لا تزال طرية بعض المطر كلوحة لم تجف ألوانها؟!د
ألن يكون نشازاً أن نحشد صراخ العيال، وتأوه المحبين، وزقزقة العصافير، وهدير الرعد، وصوت الحكمة الرخيم مع بعضه؟؟
20 سبتمبر 2006
27 شعبان 1427
كنا قد خرجنا للتو من معرض اسمه "قرطبة" واقع في شارع دجلة المتفرع من الفرات وكنا -مع ذلك- لا نزال في مصر. مررنا وراء القمر -الذي كان محاقاً وقتها- في شـارع جامعة الدول العربية.. ننتظره بلهفة أن يهــلّ علينا برمضان. ووقفنا نشارك بعضنا طعم الانتظار، والأرز باللبن، وبنات فكرٍ تحررت على ورقة أحدنا وأخرى لم تتحرر.. لكنها تراود أعيننا فتدمع أو تلمع -كل حسب نوعه؛ بنت أو شاب!! د
كانت القشطة بالعسل على وش الأرز تذوب على أطراف ألسنتنا وتختلط بطعم التجربة، ونسمة عابرة، ومرارة استهلاك بنزين غالي في مشوار قصير

أيمكن.... أجائز؟؟ د
طيب نجرب...... د

والتففنا جميعاً حول القمر..
و..................... د

****************