Tuesday, April 10, 2007

مسرى الياسمين

مسرى الياسمين والدليل
من مصر الجديدة لشباكي!! د



الواحدة، قبل صباح اليوم


وضعت الفـواحة أمام شباك غرفتي المطل على البلكونة. د
فتحت شباك الصالة المقابل لغرفتي، ثم لففت إلى البلكونة وفتحت جزءا من زجاجها المقابل لشباكي لأصنع تيار الهواء المحبب لي. أجيد ضبطه فتمتلئ الغرفة بالعبق. د
ووقفت أمام المرآة -في منتصف مجرى التيار- أجفف شعري المبتل وأنثره حولي، فتنطلق خصلاته يتخللها نسمات الهواء وهفيف رائحة الياسمين. بينما يتماوج جسدي على إيقاعات انسيابية منضبطة من لحن عذب أخذ طريقه إليّ منذ أسبوع، ووصلني أجمل ما فيه من مصر الجديدة منذ قليل. وفي المرآة ألمحها خلفي، كوباية الشاي الساخنة، يطفو فوقها عود نعناع أخضر

*** *** ***
الأربعاء، 21 مارس 8 صباحاً

جمعني بها الصبح، وفيروز، وودٌ قديم كنت أظنه قد قضى نحبه، ورغبة للصفح داكنة لم تكتمل داخلي فلم أدركها. سألتها دون قصد عن أخبارها باهتمام صادق. واندهشتُ من اهتمامي بلا سبب لحظة أن وعيته. وتعجبتُ أكثر لما بدأت هي تحكي بدون تكلف، ولم تكتف بالإجابات المقتضبة القاطعة الطريق على أي سؤال أو اهتمام لاحق. حكت لي عن المشاغل التي تتحملها أي بنت تعد بيتها، وعن المفاجآت التي لم تعد لها عدتها. حملت معها الهـم وكساني الصمت من فرط إحساسي بها. ولم يكن يليق أن أقول لها "معلش" أو أخفف عنها بالكلام المعتاد. ولم يكن الظرف يسمح بأن أعدها أن كل ماهي فيه الآن سينجلي بإذن الله رغم إيماني بذلك. لم أملك إلا أن أدعو لها بصدق وأربت على كتفها

امتد بساط إحساسي بها ليسع تعاقب الليل والنهار. وبالليل.. بجانب النيل، وبينما كانت روحي تسترجع ما دار بالنهار، وتغمرها رائحة شرقية لها طعم القرنفل، رأيت شاباً ظننته في بادئ الأمر خطيبها. كان يشبهه لحد التطابق في الملامح والهيئة والمشية والطول. وبجانبه تسير زوجته، وهو يحمل ابنتهما دون الستة أشهر. يلاعبها ويدللها ويلثمها في كل ملامح وجهها.. ملامح وجهها التي لم تكن إلا نفس فكرة ملامح ممن أحسست بها.. صورة مصغرة منها! د
كانت إشارة صريحة واضحة لا شفرة لها وليست في حاجة للفك أو الترجمة! د
تهللت واستبشرت... وظللت أتابعهما حتى غابا عن ناظري.. وقد سكنت في قلبي لهما ولـ"هما" دعوات وأمنيات رفعتها السماءُ إلى الله


*** *** ***
الخميس.. 23 مارس، 6 مساء

انزلقتُ بالكرسي حتى صرت بجانبها، رفعتُ يدها من على الماوس واحتضنتُ أصابعها براحة يدي. فقط، كنت أريد أن أطمئن عليها بعيداً عن منطق الكلام، بدون الإلحاح والضغط الذي قد تفرضه علاقتي الحميمة بها. وانزلقت ثالثـتنا لتنضم إلينا.
صرنا ثلاثة جمعنا الملل، والانتظار، والضحكة، وحواديت الطفولة. ومـرّ الوقت وآن لنا أن نرحل. تحركت هي أولاً.. سلمت على الآخرين ثم اتجهت ناحيتي..
ظللت مكاني لا أريد أن اقترب فتتركني، وأخشى أن أتهيأ لها كما تهيأت من قبل فما عـدت إلا بوجه شاحب، وبقايا هشيم الخاطر. لكنها أكملت طريقها نحوي.. وتلاقينا بحذر بعد أن كاد خدها ينسى ملمس خدي! د

*** *** ***
خارج نطاق الوقت

كان يرمقني على مهل حتى وصلت أمام مكتبي.. لم أجلس فوراً بل توقفت لأرد على نظرته العميقة بابتسامة احتراماً له وحباً وإيماناً بما أسكنه الله في قلبه. هممت بالعودة لشغلي وهو لا يزال يرمقني على ذات المهل، لكنه رفع إصبعه وقد نوى أن يتكلم.. سألني: د
عاملة ايه يا دعاء؟
ابتسمت وحمدت الله من قلبي. لكن سؤاله لم يكن ليسمع مني حمدَ الله. بل كان ليجيب هو عليه. هـزّ رأسه بيقين وقد عزم على أن يفرج عن شيء:
د
د"شايف إنك واقفة في المنتصف، مع إن فيه حاجة إنتِ عايزة تقدمي عليها... معلش.. معلش.. ولا يهمك.. وخديها من راجل عجووووز.. ماتخافيش يا دعاء.. هاه؟ ماتخافيش أبداً"!! د
انكمشت في الكرسي.. فكلامه يأتي في محله دائماً حتى آمنت بأن الله قد خصّه بشيء من نوره يري به ما لا يراه إلا المصطفون.
كان كلامه حقيقياً.. فانكمشت في الكرسي وتهدجت أنفاسي وخفت أكثر! د

*** *** ***
الأحد، 25 مارس، 5 مساءً


سألتني إن كان هناك شيء يشغلني.. قلت لها: "لا". ولو كان وارئي هموم الخلق أجمعين كنت سأقول لها لا أيضاً وأفرغ لها نفسي أمام تلك النظرة من عينيها الصافيتين. د
انطلقتْ تتكلم.. وفاجأتني -عكس ما كنت أظن- أن بيتي العالي الذي بنيته لنفسي عندها لا يزال قائماً. وإن كانت الأهواء قد عبثت ببعض محتوياته وأثاثه. د
هزتني بتذكرها لأدق التفاصيل: يوم أن أدارت كلتانا ظهرها للأخرى في صمت مطبق، لما قرصت قلبها وأغمضت عينيها عني، نظرة اللامبالاة التي رميتها بها، التربيتة التي ربتـُها على كتفها الأسبوع الماضي والإحساس المربك الذي وصلها مني. مربك لكونه متناقض مع العبث الذي أصاب بيتي عندها وأثارته الأهواء والظروف وجهلي.
فاجأتني وصدمتني لما قالت لي إني في اليومين الماضيين أذقتها شيئاً حلواً.. ثم صمتت لتأخذ نفساً وأعادت ما قالته وزادت عليه: دد
د-"دوقتيني حاجة كنتِ حارماني منها.. كنتِ حارماني منك يا دعاء.. كنت حارماني نفسك يا دعاء".. أسقطت بكلامها قلبي ودمعي في حجري، وكان نطقها لاسمي وقع جميل ومُربك في نفسي. د
تركنا ما يثقلنا ومشينا في نفس الطريق الذي أخذناه سوياً مراراً من قبل..د
مشينا وقد تخلصنا من إدراكنا للمسافات.. د
مشينا ونحن نتجنب الدخول في التفاصيل الصغيرة لكي لا نتوه بداخلها فتأخذنا منا. والوقـت يمضي مبللاً بطعم الملح. وظللنا نبتعد عن التفاصيل ونمعن في التجريد حتى وصلنا للضفة الأخرى منها، فأحاطتنا بالرقة والدهشة والوجع! د

ولم نترك بعضنا إلا وقد عاد بيت كل واحدة عند الثانية أقرب مما كان عليه.. رائقاً، جميلأً، دافئاً، وعامراً..د

*** *** ***
الإثنين، 26 مارس، الثامنة والنصف صباحاً

لم أكن أدرك قبل هذا الصبح معنى اسم "الآخـِر" من أسماء الله الحسنى. كنت كلما مضى وقت وجد جديد في أمر ما، أقول إن هذا هو آخِره. ثم أكتشف أن وراء الآخِر آخِـراً ثان. حتى مللت الأواخر وقررت ألا أسعى للاكتشاف والمعرفة خوفاً من آخـِر آخـَر. ودعيت الله "الآخـِر" ألا يكشف لي آخـِراً آخر فقد اكتفيت بما لدي من أواخر! د

كانت صدمة المعرفة أكبر مني.. وكان السيل قد بلغ الزبد.. وقد فرغت طاقاتي في دفعه بعيداً عن الرُبــى. د
وبينما كنت أدعو الله "الآخـِر" رب كل الأواخر، أدارت لي صديقتي أغنية انسكبت عليّ كنحاس منصهر وأصابت آخِر (آخر) عرفته، ولم أكن قد وجدت سبيلاً لمرارته ولا أستطيع ابتلاعه. د
فبلغ السيل الرُبــى.. وخرج من عيني هادراً صارخاً كاسراً قوانين صمتي ومبددا لسكون أول الصبح! د

*** *** ***
الأربعاء، 28 مارس، 5 مساءً


كنا ثلاثة.. لـمّ شملنا الحماس والصدق والحب ورغبة في الانطلاق سوياً في سيارة واحدة منا.. د
نروح نقعد في كافيه؟
ولا ايه رأيكم في كارفور؟
لأ.. كافيه
آه كافيه بس مختلف غير سيلانترو.. د
وانطلقنا للزمالك وأخذتنا ملابسات الوقت المسموح لنا وتدابير الصدفة إلى "الديوان"..
د
التففنا حول طاولة على مقاسنا، صغيرة، وبثلاثة كراسي.. على يسارنا كانت الكتب برصاتها المختلفة، وعلى يميننا يقف شاب البوفيه الأنيق المهذب. وخلفه البوفيه؛ صغير بأكواب متناسقة مع جو المكان، معلق فوقه حيلة مبتكرة من قماش الكتان السميك أو الخيش، بجيوب صغيرة لحفظ باكيتات الشاي والقهوة والنكهات، وثلاجة قصيرة بباب زجاج يكشف ما بداخلها.. لم نخطط ماذا سنفعل، ولم تزعجنا لحظة الصمت التي تصيب الناس في الأماكن الجديدة، بل ألفنا المكان وإن لم نفقد سعادتنا ودهشتنا من طغيان عبقه الشرقي.د

انسكبنا في فوضى محببة نحكي ونضحك ونقاطع بعضنا بدون ضيق ونغلط في الكلام من استعجالنا عليه حتى لا يهرب منا. كنت أستمع وأضحك وأبعثر الحروف أكثر مما أتكلم، وأتنقل بين عينيهما وملامحهما التي بدت لي ناصعة مثل غرة الحصان.. لم يكن ذلك بفعل الإضاءة... لا أعرف.. لكن كانت ملامحهما وعيناهما ناصعة! د
كنت أتابعهما وأشارك بحدوتةـ وضحكة، أو اعتراض، أو مقاطعة خارج سياق الحواديت مبدؤها شهقة لأن أغنية جديدة جميلة اشتغلت. ومع أني كنت جالسة على الكرسي، كنت أنفصل جزئياً ثم أعود.. سبحت فوق السقف، ودخلت في السماعات التي كانت تنهمر منها موسيقى (سعاد ماسي، وآرمسترونج، وآخرين لا أعرفهم!)، ولبست الكف الأزرق في اللوحة التي تحتفل بمرور 5 أعوام على المكتبة، وصرت مثل فواصل الكتب وتسحبت داخل الكتب الصغيرة المتزاحمة في الرفوف بألفة. كانتا تضحكان مني وتشيران بيديهما أمام عيني لأعـود إليهما.. وتصفاني بالمسافرة أو ذات الروح الهائمة. ومثلما انسبت مع حواديتنا الحلوة، الشقية، والفوضوية، كنت أنساب بين أطياف اللون البني في المكتبة، والتي تبدأ من الورق الغامق مروراً بدرجات البني في الخشب المتفاوتة بين الصراحة والنعومة. بينما أترك قطعة التشيز كيك في فمي ولا آكلها فتذوووووووب وأستمتع بطعمها أكثر.

لم يـبق أمامنا غير لفة متعجلة في المكتبة. وأجلت رغبة للشهر القادم لامتلاك كتاب "عين حورس" للمصور الإيطالي "مارشيللو بردانتي" الذي صور من مصر من فوق، وخرجت بـ"حين تركنا الجسر" لـ"عبد الرحمن منيف".. بعد توصية إحدى صديقتي به.
وكالعادة تسرسب الوقت منا، وكلما مرت ربع ساعة، كلما كبرت توقعاتي حول رد فعل السلطة البيتوتية ضد التأخير! د

*** *** ***
الخميس، 29 مارس، 7 مساءً
التففت أنا وهي لنسمع أغنية
"Mr. Lonely"،
وبالتحديد حول صوت يشبه دونالد دك لما يكون تعبان وغلبان.. وامتد التفافنا حول بعضنا لما بعد انتهاء موعد الشغل.
وتلقفنا الطريق...
د
كان نصفها الآخر في الطريق إليها، فأردت أن أنتظر معها ولكن لا أريد أو أرى الأسفلت الذي اسود من خطايا البشر. دخلنا ماك ورأينا عجائب سوداء أكثر من الأسفلت..! حكيت لها عن رغبتي في تعلم عمل يدوي خصوصاً وأنا لدي أفكار له ولأنني لا أجد ما يوافق ذوقي.. وحكت لي عن د. فـيل وبرنامج أوبرا وينفري وتجارب لسيدات تعلمن عمل يدوي.
لم نكن قد جلسنا عشر دقائق حتى اتصل بها يخبرها بوصوله، فإذا بها تقول له إنها معي ويا حبذا لو يعطيها ربع ساعة. لم تكن تطلب بتوسل، ولم تكن تأمر، ولم تجادله أو يجادلها.. وأحسست بأنه مثلها؛ موافق بدون تأفف أو إحساس بالفضل. وافق.. وهكذا فقط.
قلت "ما شاء الله" في سري.. ودار بذهني خاطر جميل لأجلهما أسعدني. حاولت أن أكمل كلامي، لكن خاطري قاطعني ولم أشأ أن أبخل به عليها فشاركتها سعادتي به. قلت لها إن مفهوم "لين الجانب" تجسد لي وقت كلامها معه أمامي. فما شاء الله لم يتشادا، ولم يعتب عليها لأنه خارج من الشغل وقادم من مكان بعيد، وهي لم تفعل ذلك لأنه تأخر.. كل واحد منهما -ما شاء الله- يعرف مساحته عند الآخر. حدثتها بخاطري حتى وصلها كما دار.. فرحت وأمسكت يدي وهي تقول لي: "إنتِ بتقولي كلام حلو أوي"!! د

ودعتها بعد أن قلت لها شيئاً عزيزاً، أحب أن أحتفظ به لها داخلي.. (؛ د

وركبت السي.تي.ايه. كانت المسافة على غير العادة واسعة بين الكراسي، فملت بجسدي بزاوية لأسمح لي أن أضع رجل على الأخرى وتأكدت من وضعهما بشكل لائق لا يفشي سراً لهما. ضحكت في سري وأنا أفعل ذلك لما تذكرت إحدى المرات التي كان السي.تي.ايه يمرّ بالمناسبة على محل أعرفه بواجهة عريضة ومرايات، وفي كل مرة يمر عليه أحب أتفرج على العجلات وهي تنزلق بثقل على الطريق المنخفض أمام الواجهة.. كان السي.تي.ايه يمرّ أمامه وأنا أضع رجل على رجل.. فنظرت إلى أسفل واجهة المحل لأرى إن كان هناك شيء ظاهر من رجلي!! د

استرحت في جلستي. وأمسكت بـ"حين تركنا الجسر"، وضبطت موجة راديو الموبايل على البرنامج الموسيقي.. وربضت أمام الجسر مطمئنة.. ليس مثل "زكي نداوي" الذي يتحرق شوقاً لصيد الملكة. كانت المقطوعة الموسيقية التي تعزف في أذني تقول اسم صديقة أخرى لم أسمع صوتها منذ فترة. ثنيت الصفحة على "زكي نداوي" وهو يحدث كلبه "وردان" واتصلت بها، وقبل أن ألقي عليها السلام قابلتني بـ"واحشاني، واحشاني" وكأنها تعلم أنني سأتصل بها أو كأنني كنت على بالها كما كانت..
د- عايزة أشوفك
د- وأنا كمان
د- إنتِ في الشارع
د- آه
د- طيب، هاكلمك لما توصلي البيت

وصلت البيت وكان الاتفاق أنه لابد من لقاء في أقرب فرصة. وأقرب فرصة في شـمّ النسيم

*** *** ***
الأحد، 8 أبريل، 6 مساءً

مــرّ النهار بثقل لا يُحتمل.. وأنا منذ الساعة الواحدة، أنتظر الساعة الرابعة والنصف -موعد انتهاء العمل- لكي تأتي.. وهي تتثاقل هي الأخرى كيومها ولا تريد أن تأتي! د
جاءت
رآني... رحب بي مرات.. مرة منادياً لي بالأستاذة.. ومرة منادياً لي باسمي ففرحت بتذكره لاسمي. سألني عن طول غيابي.. كنت لا أريد الدخول في الأعذار التافهة وأريد أن أرتب كلامي.. قلت له عفوياً:
د
1st of all
لم يدعني أكمل لأنه ضحك جداً وكررها متسائلاً: ايه إنت هتخطبي ولا ايه؟
د
أكملت
يجيد الاستماع بفهم وتفاعل. سألني عن كتاباتي.. ماذا أكتب؟ ولماذا أكتب؟ ولماذا لا أنشر... وأسئلة كثيرة تطول إجاباتها. كنت أحاول أن أختصر فلم أترك حبات الكلام فيما أحبه -وكم أحبه- تتناثر مني. وكان منصتاً لي، وهو ينظر إليّ بعين سعيدة وابتسامة عريضة وكأنه فرحان. وكلما مضيت في الكلام، اتسعت ابتسامته وفرحته حتى قاطعني وهو يشير بيديه إشارة النفي وكأنه غير مصدق: "ما شاء الله.. ما شاء الله عليكِ.. مش ممكن.. عسل.. بجد كلامك حلو. كلامك وتعبيرات وشك". وكعادتي تدحرج وجهي في الأحمر، وارتفعت درجة حرارته. ولأن ذلك قد حدث معه سابقاً، ضحك جداً وهو يقول لي: لأ وشك ما يحمرش.. عشان أعرف أقول لك..
د

*** *** ***
شم النسيم.. الإثنين، 9 أبريل، 6 مساءً

أربعة كنا.. تقابلنا وتعانقنا أمام الجامعة الأمريكية، ولم تمنعنا طبيعة تحية شعبها الباردة من ذلك.د
ثم انطلقنا لنشاهد فيلم في حي مصر الجديدة الذي أقضي فيه جزء من عمر أيامي من سنتين ونصف! لم نجده في أوديو، ورفضت دخول سينما مترو لتجربة مشاهدة ردئية حضرتها فيها... إذن على ريفولي. ولم يكن شعب ريفولي أفضل من شعب مترو الغوغاء المتشردين في زي ملابس المدينة! د
جلست وقوى الشر تتدافع في عروقي متحفزة ضد أي فعل غير لائق.

ودخلنا في شقة مصر الجديدة.. الأفيش هو ما شدني للفيلم منذ أن رأيته. ورفضت أن أعرف أي شيء عن القصة والأحداث حتى لا تفسد المعرفة -كعادتها معي مؤخراً- متعة مشاهدته. ولكي لا تحرق لي ما وصلني من الأفيش الذي يقول ولا يفصح بالتحديد؛ زاوية التصوير.. وقوف البنوتة أمام شراعة باب من الأبواب القديمة ذات الحلى المعدنية التي أحبها.. ظهرها للظلام المحيط بها، النور المشع الذي يأتي من الشراعة، وقوف الكاميرا هكذا وتصويرها لها هكذا، كل هذا يعني انتظار وحدوث! د

لم أركب الأسانسير القديم، بل صعدت إلى الشقة على درجات موسيقى "قلبي دليلي" وتامر كروان، والخط المنساب بلونه النوري الذي كتب به اسم الفيلم، والنسمتين المنبعثتين من قلب أحمر فوق اسم الفيلم. وتشتتني صرخات الحاضرين البلهاء، وضحاكاتهم الأكثر بلاهة منهم. إذن، إما إني أترك قوى الشـر لتقوم بوظيفتها، أو إني أنفصل تماماً لأنني -وبصراحة يعني- لن أقدر على الغجر.
أكملت صعودي من المنيا حتى محطة مصر مع "نجوى". بنوتة حقيقية، خجولة، تسكنها دهشة من عالم مدينة غريبة اسمها القاهرة كلما فاجأها عالمها قالت بلـكنة محــببة: "وّاه.. كييييف؟!!". يقــودها قلبــلها بدلـيل لا صــك له أو أوراق ولا تمغة ولا شـعار النسـر. تمشي وراءه ليوصـلها حبـها لــمدرسة الموسيقى "تهانـــي" لحــب "يحــيى".
د

هو يعيش نهار يومه في الشغل بحاجبيه المعقودين.. ويقضي ليله مع واحدة يحـتاج (شــــــــيئاً) منها ولا يحــبها. مشغول بعمله ولا يفكر في الالتزام ولا يطيق السكن في شقة تسكنها عفاريت الذكريات.
وهي تسقط أمامه من السماء، ببكرها، بعفويتها، ببساطتها، بحاجبيها المرتفعين استغراباً وقلقاً، بأصابعها التي تشبكها أو ترجع بها خصلات شعرها خلف أذنها كلما داهمها الخجل، بفستانها الرقيق وصندلها البنانيتي.
يرفضها.. تلفت انتباهه.. يبدأ مساعدتها.. يشعر بأنه مسئول عنها، تقول له بكسوف إن اللي هتحب واحد، مش هتدور على سنّه. يستبقيها لما تقرر العودة متسائلاً: "طيب وتهاني؟؟ هتسافري المنيا من غير تعرفي ايه اللي حصل لتهاني؟؟"دويكذبان على بعض.. "تبدو كأن لا تراني وملء عينك عيني.. ومثل فعلك فعلي.. ويلي من الأحمقين
مولاي لم تبقِ مني.. حياً سوى رمقين"! د
يداريان عن بعضهما: "رحت سألت عليك في الشغل عشان أقول لك إن أبلة تهاني بعتت لي جواب"، فيعقد حاجبيه مثل بطل أغنية فيروز ويرد: "آه، وأنا كمان كنت بادور عليكِ عشان أقول لك إنها كلمت أستاذ شفيق وقالت إن عفش شقة مصر الجديدة هيروح على بورسعيد".. د
الموسيقى ثلج مثل الحرير.. د
والإضاءة تشع في الأركان مثل القصب المطرز للحرير.. على البيانو، والجوابات، والأركان المتربة في الذاكرة
وأنا معهما، أركب الموتوسيكل وأسابق الريح لأتتبع الدليل وقلبي يحكي لي وأصدق قلبي..
د
نخرج نحن الأربعة وأطير في شوارع وسط البلد، نسترجع مشاهد من الفيلم.. نتذكرها ويتذكرنني ويضحكن.. تغيظني إحداهن.. أخفف من سرعتي لأتوقف فأتخلف عنهن، أو أزيد منها فأسبقهن احتجاجاً. يداهمنا الوقت والتوقعات تكبر، فنتعانق وينادينني ضاحكات "سلام يا نوجـة" وهـن لا يعرفن أن ماما الله يرحمها اسمها "نجوى"! (: د

*** *** ***


وقفت أمام المرآة -في منتصف مجرى التيار- أسرح شعري المندي بمشطي الخشب ذي السنون الواسعة.
يتخللني تيار الهواء ورائحة الياسمين القوية. بينما يكمل جسدي تماوجه على إيقاعات انسيابية منضبطة من اللحن العذب الذي أكمل سكناه بداخلي
وفي المرآة ألمحها خلفي، كوباية الشاي الباردة، يسبح في منتصفها عود نعناع أخضر.
دعاء سمير
الإثنين 10 أبريل
الثالثة فجراً بعد شـم النسيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

18 comments:

Ghada said...

هممم.. طيب.. بعد تجفيف الدموع، قلت أكتب لك حاجة..

أنا مبسوطة قوي! عارفة إن دي قد لا تكون الجملة المناسبة لبدء الكلام بس فعلا أنا مبسوطة قوي ومتأثرة جدا.. والموضوع له علاقة بوجودي في النص طبعا *ضحكة خبيثة* ، بس كمان له علاقة بأسلوب الكتابة والإحساس اللي وراها..عارفة لما تقري حاجة جميلة قوي وتسبب لك حالة من الانشكاح؟..زي حو محمد عفيفي مطر كده :)

يا تفاصيلك يا ست! :) إيه الدقة دي والتشبيهات دي.. منين جبتي "ثلج كالحرير" .. ولا "ملامحهما الناصعة مثل غرة الحصان"! فعلا يعني.. أي شيطان/ أو ملاك :) أوحى لك بالتشبيهات دي..

عارفة النص ده عامل زي إيه؟ عامل زي هدية كبييييييرة مليانه هدايا صغيرة وتفاصيل أنا لحد دلوقت مستعجبة إنت جمعتيها إزاي جنب بعض كده وافتكرتيها إزاي.. والهدية دي -بالربط المعمول بين بدايتها ونهايتها عن طريق الشاي المنعنع - ليها فيونكة كبيرة ومحكمة ومحبوكة، عشان لما حد يبص لها ميقدرش يطلع فيها عيب.. مهتمة بكل تفاصيل الهدية يا دعاء.. من أول مضمونها لحد ورق الهدايا وطريقة اللف.. قلبا وقالبا.. إحساسا وبناءا..

على جنب: أنا مبسوطة إني عديت لك.. مكنتش فاكره إن عندي الشجاعة لإني أعمل ده من شهر مثلا، ولا كنت فاكره إن بيتك لسه عمران جوا..

فيه واحدة صاحبتنا بتحب الجملة دي قوي:
"يارب ديمها"
;)

هبة المنصورى said...

احم احم احم.. مبدئياً كده مسائكو ورد بلدى وزنبق ف فازه جنبى-صحيح دبل شويه بس لسه ريحته فيه- وعلى رأى غدغود- اسمحيلى ياغاده بعد ماشفتك أندهلك بغدغود أو غديده.. أى صيغة تصغير يعنى لإنى بصراحه من كتاباتك تخيلت إنى هاشوف حد أكبر ف الملامح بس عادى مانا طويله وهبله بس طفله ف تفكيرى فمش شرط-كنت باقول ايه؟ أنا من طول الجملة الاعتراضيه نسيت! منكوا لله.. آه.. على رأى غدغود حسيت يومياتك يادعاء هديه كبيره تتفك لهدايا أصغر كتيييييييير.. استمتعت بيها بس أرجع واقول لو كانت متفرقه يعنى كل يوم بيومه كان هيبقى أسهل للغلابه اللى زيى يقروا واحده واحده ويستمتعوا بكل تفصيله-أور راذر هديه صغنتوته.. حسيتها وجبة دسمة.. لذيذه بس دسمة.. سعيده بمعرفتكم ياجماعه! ومنتظرة يادعاء تكتبى عن يوم التلات 10 أبريل.. باحب أسمع الانطباعات الأولى أوى :)

aiman said...

ما شاء الله ..... السرد الناعم ده يوحي انك بخير ... الحمد لله ...

حائر في دنيا الله said...

عارفة مسكت الموضوع من فوق لتحت تاني، رغم طوله ورغم ارهاق عيني من الشاشة ولكن سردك الجميل وتلقائيتك الرائعة سحبتني مرغماً ومعجباً وقبلها مندهشاً

ولن اعلق على شيء معين فالمعاني الجمية اكثر من أن تحصي وتعليقي لن يصل بي لتوضيح جودة ما قرأت

لك تحياتي ولا تتأخري مرة اخري

Doaa Samir said...

غادة مع نفسي


أنا عمالة ألملم الحاجات اللي بتقع مني ارتباكاً من ساعة ما قرأت تعليقك لحد ما جيت دلوقت أرد!! د
أنا بس يكفيني كلمتين قلتيهم: "مبسوطة" و"متأثرة".. مفيش أنسب أو أجمل من كده بداية.. أما بقى التفاصيل وازاي اتذكرتها وجريتها وحزمتها مع بعض بالشرايط اللي بتحبيها للف الهدايا، فلم يكن ملاكاً ولا شيطاناً كان عفريتاً بعينين فيروزيتين، وودن شكلها زي الفيونكة، ورموش طويلة ندية، وجسم طري كطراوة القلب الكبير!! د
والنصاعة اللي شفتها فيكما لما كنا ثلاثة جمعتنا سيارة إحدانا وقادتنا التدابير للديوان، فآآآآآآه.. آه والله العظيم كانت كده.. ناصعة وشفافة وحلوة.. مش مصدقاني؟ طيب لما تحصل تاني هاطلع لك مرايتي لتشوفي

مش هاقول هنا الحاجات اللي عمالة تقع عليّ من تعليقك. لأنك عارفة بعضها والبعض هتعرفيه.. ويا رب.. يا رب.. يا رب ديمها
((:

Doaa Samir said...

هبة المنصوري


صباح الورد يا هبة.. حلوة التصبيحة الزنبقية دي. عارفة أغنية "يا زنبق" لفيروز؟
يا زنبق يا غاوي بسياجه، ومفيي بوراقك ع دراجه، ع الزهر الهنـي الليلكي، بيجي يتكي وبيطول الحكي...
معلش على طول السرد المش مقصود، بس ده الخلاصة والله. أصل الموضوع مش مجرد يومية يا هبة.. ده أكبر بكتير من الأيام!! د
ده مسرى الياسمين والدليل من مصر الجديدة لشباكي، والطريق طوويييييل وحصلت فيه حاجات كتيرة خلته أطول وأغنى!د
يا هلا بيكِ في كروان ويا رب تتكرر وبالنسبة لانطباعاتي فصوتها عالي م البهجة بس كنت صعبانة عليّ موووت وشيلت همـّك عشان المشوار والحاجات الحلوة اللي أهديتها!! د
(:



أستاذ أيمن


ياااااااه.. من زماااان مش شفت اسم حضرتك. الله يخليك يا أستاذ أيمن.. يا سلااااااااااااام، حلوة كلمة السرد الناعم دي. أنا بفضل الله فـُلّة. وعلى فكرة ده اسم من الأسامي الحركية بتاعتي في البيت لما أحب أستخبى! د
(:



حائر في دنيا الله


عارف إني ما قدرتش أمنع نفسي من نشرها رغم طولها ورغم إني شبه متأكدة إن ناس كتير مش هيكون لها تقل عليها. لكن الحمد لله لحد الآن اتقرأت من تسعة غيري. الحمد لله.. أنا فرحانة بجد لكده. والأجمل إنه كان ليك لوحدك قرائتين، يعني صاروا عشرة! د

ميرسي ليك كتير يا حائر في دنيا الله.. أسعدتني ربنا يسعدك
(:

Pianist said...

ممم كاريزما الحكي
المقدرة العجيبة علي الحكي بدون تسريب الملل

انا استمتعت كعاتي كل ما باجي هنا
:)

مش فاهم حاجة said...

عبقرية فى السرد
بجد شديتنى من اول سطر
لاخر سطر
وتشبيهاتك فى منهى الروعة
انا هاجى هنا دايما عشان اتمتع بالجمال الادبى
الرفيع

هبة المنصورى said...

أولاً مايصعبش عليكى غالى.. عادى احنا خدنا ع الشقا يادودو.. ثانياً ايه غنوة فيروز الرهيبه دى؟! منك لله.. أنا ماكنتش سمعتها قبل كده.. بس جبتها ومشغلاها من ساعتها.. الرييل بلاير بيئن! بدايتها تدخلك ف جوالأولديز وأفلام الأبيض وأسود الأجنبى.. تلاقى الغنا عربى.. وكلمات قليله بس ليها رقة الزنبق..وودينا لشباكه يمااااام ولقلبه ملاااام ولعيونه سلااااام

أجدع واحد في الشارع said...

يا جماعة بجد انتو لازم تشركوني حفله عيد ميلاد جينرمو معايا فى البلوج بتاعى انهاردة عيد ميلادها عشان انهاردة بجد اسعد يوم فى حياتى

Eman M said...

أطير في شوارع وسط البلد، نسترجع مشاهد في الفيلم

احنا بقة نزلنا مصر الجديدة نفسها نلف فى المناطق بتاعة الفيلم
كان بجد جميل أوى

استمتعت بكلامك

moia said...

جميلهه جميله حميله اوى يا دعاء
عارفه لما تدمعى وتبتسمى ى نفس الوقت.. هو ده بالظبط :)
هاتى بوسه يا بنت انتى :D

Moia said...
This comment has been removed by the author.
hesterua said...

صاحبة السرد العذب
دايما بقولك حكايتك دى بترشق فى القلب على طول
تحياتى

عصفور طل من الشباك said...
This comment has been removed by the author.
شيماء زاهر said...

بأضم صوتي لإحواتي إللي فوق..حلوة أوي يا دودو...

Geronimo said...

فينك
؟
؟

حائر في دنيا الله said...

مر شهر
ولم تحك شهرزاد
خير ان شاء الله