Monday, February 18, 2008

شرودات شتوية

مكعبات الثلج! د



منذ أن دخلت الشتاء هذا العام بحنية، وأنا أفتقد دخلتها الحقيقية.. أفتقد طلتها العفية الممطرة. اعتدت أن أراها مرتدية معطفها الطويل الثقيل ذي حواشي بيضاء من نفش الجليد.. تتهادى به في الدنيا وتنفث من ثلجها بخاراً يتراوح لونه بين الرمادي والسماوي والبنفسجي. لكنها لم تفعل هذه المرة وجاءت بدون لون معطفها المحبب.. يتراوح مزاجها بين صيف وخريف. د

افتقدتها، فظللت أبحث عنها في السماء بين سحب خفيفة بدت وكأنها طبع عشوائي جميل لآخر ما تبقى من اللون الأبيض في قطنة مغموسة في ماءه على حرير أزرق فاتح. وأملاً في أن تنجح محاولاتي في استدعائها، استبدلت رنة موبايلي "أنا عصفورة الساحات.. أهلي ندروني للشمس وللطرقات" بــ"رجعت الشتوية.. ضـلّ افتكر فيّ".. د


فين الشتوية دي يا فيروز؟؟! د


استمر الاشتياقُ وطال البحث حتى نبأني حسّي أنها ستعود قريباً لما رأيت البياض في السحاب يزداد سُمكاً ووسعاً وعمقاً حتى بدت فيه أطياف بنفسجية ورمادية من أطراف معطفها، تخبئ أجنـّة المطر. د


و... رجعت الشتوية كما اعتدتها بمعطفها وخطواتها الهادئة الهادرة..د

احتفيتُ بها فاشريتُ كوفية موهير وبووت.. آخر بوت كان عندي كان أحمر اللون -الأحمر القرمزي- بفروة بيضاء تزين أعلاه. وكانت ماما تلبسني إياه مع ذيل الحصان، والكولون الأبيض الثقيل المطرز منه فيه، تحت فستان قطيفة قصير منفوش وكاروهات أحمر في أبيض في أسود في رمادي بكولة حمراء عريضة وحزام أعرض. كانت تعقده في منتصف ظهري على شكل فيونكة كبيرة فأكون بجناحـي فـراشــة. د
احتفيت برجوعها والتزمتُ الزي الشتوي الذي أميل لارتداءه كلما زخّـت الدنيا.. جاكت أسود، فوق جوب سوداء تنتهي بكرانيش صغيرة أيضاً سوادء، ثم أكسر هيمنة السواد بطرحة بلون الفيروز، أو السحاب، أو البرتقال، أو الخس مع زهور ديزي، أو البنفسج الفاتح.. د
أحضّر زيي الشتوي في الليل. وفي الصبح، أرتديه بتأن يسمح لدفئي أن يتخلل في نسيجه ويتآلف مع دفء سواده. وبعد أن أتأكد من تدبيس الطرحة في رأسي منعاً لهروب خصلات شعري من تحتها، ألفني بالكوفية محررةً طرفها الطويل من العقدة الواسعة ليطل من فتحة الجاكت وألعب به أثناء الجلوس والسرحان. د
وبعد أن أخبأني في الغيمة السوداء، أدس أنفي الأحمر في وبر الكوفية الحنون الناعم الذي يأخذ جزءاً من عطري دون إذن ويبثه في أنفاسي فتدفأ وتعبق.. د



** ** ** ** **

عادت لي الشتا كما أحبها ففتحت الجاكت ووسعت عقدة الكوفية أكثر لتصلني أنفاسُها. ودسست تحذيرات أبي في الدولاب ونمت تحت معطفها، ناسية أن في جيوبه مكعبات ثلج! فبردت.. وزارتني السخونة ولازمتني ثلاثة أيام فوق السرير تحت لحافٍ وبطانية. تهدأ بالنهار قليلاً وتصر على العودة بالليل عفيّة قوية.. د

منعتني السخونة من الصلاة واقفة، وحرمتني من متابعة الفرحة في عين الحبايب بكتابي، وأكل الشوكولاتة التي جائتني تهنئة من بعضهم، والإحساس بحبات المطر على وجهي وأنا مغمضة العينين. كنت أحوش الشوكولاتة تحت المخدة وأختلس قضمات منها علّها تخفف عني بعضَ الوجع. وأنظر إلى الموبايل باحثة عن الشتا وأولئك الذين اختاروا الرحيل قبل الأوان دون إخطار وأرد على كل اتصال لعلّي أحسهم في الأصوات ولا أمل! د

ومن بين البخار الصاعد من الكمادات، تتشكل سحاباتٌ بلون الحمى والشوكولاتة المخبأة تحت المخدة، تسبح فيها بعض أفكاري.. أفكار كانت تشاغل خيالي من فترة فتهيئني لاستقبالها وأهيئ نفسي للتحرر منها ثم تهرب قبل أن أتمكن منها وأحكم عليها القلم. أراها تعوم في سحابات على مدخل الليل. وتتلاعب بي حتى ثلثه الأخير فتريني نفسها تعوم حيناً وتطير حيناً . قمت من السرير وألقيت الكمادات وصنعت من البطانية فستان فرو بذيل عريض وأدخلت نفسي فيه لأجلس على المكتب وأدونها.. د
أحاول أن أمسكها.. وقبل أن أتمكن منها أراها أمامي تتبخر مع حرارتي أو تتجمد في جيوب معطف الشتا لتصير مكعـبات ثلــج!! د



** *** *** *** **


9 comments:

بطوط حبوب said...

واضح ان دى اول مره اعلق هنا بس مش هتكون اخر مره لو كل المواضيع كده
اسلوبك تحفه رغم ان الدنيا بتمطر وعايز اخرج مش عارف فبالتغاضى عن انك بتحبى المطره انا عايز اخرج
ما علينا المهم الحمد لله دور السخونيه راح؟

محمد هشام عبيه said...

تدونية فيها كثير من برودة الشتا لكنها تمنح القارئ دفئا بطعم الشيكولاتة
صباح البرد والسخونية!

مروة جمعة said...

صباح الجمال يا دودو
لسه حالا راجعة من الجامعة.. والجو مطر.. مطر.. الله!.. ببقى عايزة أمشي في المطر و أعمل الحركة الطفولية بتاعة أبو تريكة لما يجيب جول!.. وأنا رايحة كنت أتابع أناشيد الأطفال.."هيييه.. هيييه.. المطرة بتمطر.. وعزيزة بتنشر!".."وهيييه يارب تديها كمان!".. أنا كنت ماشية في هدوء شديد متخلية عن مشية العسكري.. والكل- رغم رقتي زي ما أنتِ عارفة!- يفر من أمامي!.. الكل يبحث عن عمارة.. عن ظل أسمنتي يحميه من قطرات المطر الرقيقة.. أنا ما بصدق يا دعاء ألاقي مطر.. ويا سلام بعد موجة المطر السابقة لما تشوفي قوس القزح من فوق السطح بطول المدى!ا

ألف سلامة عليكِ تاني، أنا لا أصاب بالبرد الشديد إلا إذا تحسن الجو!ا

تدوينة جميلة ورقيقة في وصفك للتفاصيل المنمنة..
صباحك فيروزي لابس كوفية قوس قزح
:))

Ahmed said...

مرحب يا دعاء ..
وعدتك كذا مرة إني أجي وازور المدونة، ويبدو إنني لما قررت أجي كانت أول تدوينة بقرأها عن الشهر اللي بحبه وبموت فيه شهر الشتا ..
لأ وفيروز كانت بتزور التدوينة كمان .. والشوكولاتة .. يعني لو أنا مجيتش زي الفأر ورا الروايح الحلوة دي كلها هاجي إزاي !!

المهم : تدوينة روعة زي كل حاجة تانية قرأتهالك .. بجد تحفة يا دعاء ..
ويا رب السخونية تكون راحت

أحمد رمضان

هبة المنصورى said...

سلامتك يادودو
وبعدين أنتِ كده هتجيبيلى برد
يعنى أنا لسه معلقة ع التدوينة اللى فاتت وطالعة م الفرن! ألاقى كرات تلج جايه ف وشى

لأ مش هاكمل قراية التدوينه دى..العمر مش بعزأه.. وأنا مش مستعده أرقد ف السرير

Anonymous said...

الف سلامة عليكى يا دعاء وربنا يبعد عنك البرد والحر وتكونى فى جو معتدل نهاراً مائل للبرودة ليلاً

والسلام امانة لمحمد قوليلوة متزعلش

عبدالناصر

Sarah ElTobgy said...

tesada2i ba2ali kam youm baghany rej3et el shetweyya...
very inspiring post :) it was very nice meeting you and talking to you.. sharing dreams is somthing cozy.. warm .. especially fel sheta :D

Waiting for your visit.. el 3enwan maytawehsh:
http://www.saraheltobgy.com/

Doaa Samir said...

بطبوط الحبوب

يا رب تكون مش أول وآخر مرة.. تعالى وهتلاقي شوكولاتة، وورد، وقهوة باللبن لو بتحبها، وبحر، وفتافيت، وصبح مصحصح.. بجد باقول (: د
الحمد لله السخونة راحت وللأسف الأفكار بقت مكعبات تلج! د


يا محمد يا هشام يا عبيه

عـُلِم وشكراً.. فكرتني بتوقيع المدرسة على الكشاكيل "نظر" كنت دايماً أسأل ماما الله يرحمها وأنا صغيرة اشمعنى يعني الكلمة دي.. وكنت باتغاظ لما أشوفها. بس حلوة دفا بطعم الشوكولاتة


مروة

صباح النووووور.. وأنا كمان ما باصدق الدنيا تشتي.. باحب أحس المطر جوايا وعلى وشي.. باحب أشوف خيوطه لما يشتد، وباحب أشوف الدنيا بعد ما بتغتسل بطهوره... بس قولي لي بجد إنتِ بتشوفي قوس قزح؟ أصلي عمري ما شفته في مصر..! د

Doaa Samir said...

أحمد رمضان

أخيراً؟؟ الله يخليك يا أحمد.. وميرسي ليك كتير على الزيارة والكلام الجميل.. وبعدين إنت متفاجئ ليه؟؟ ده أنا فيروزية حتى النخاع، وباموت في الشوكولاتة بالبندق ولو نزلت لتحت شوية في البوست اللي فاتت هتعرف هي بالنسبة لي ايه
(:


هوبا

ضحكتيني.. مش كنت واخدة بالي إن البوست اللي فات سخن وده ثلج! طيب تصدقي دي حاجة لطيفة عشان كروان مش يبقى بس ألوان ومشاعر..لأ وفصول ودرجات حرارة كمان!د


عبد الناصر

الله يسلمك يا عبد الناصر وعلى فكرة مش كنت عارفة أنا إنك إنت نصر برضه.. على العموم أنا هابلغ محمد الرسالة وميرسي ليك

سارة

يا أهلا يا مرحب ومرحبتين... ميرسي ليكِ كتير يا سارة وأنا كمان مبسوطة إننا اتقابلنا وحكينا وبوست جميلة الجميلة ربنا يحفظها.. وهاجي لك أنا دلوقت
(: