Thursday, March 13, 2008

يا ريتني أعرف أقيفك أو أغيب! د

يا ريتني أعرف "أقيفك" أو أغيب! د



منذ شهر أو يزيد، أعيش في لحظة ممتدة أكتشف في كل يوم من أيامها المتشابهة أنني فقدتك في الليلة السابقة. وأبحث عنكِ في كل التفاصيل.. في غناوي الأطفال والحواديت، واستدارة الخدود والأذقان، وفي الورق والخطوط، والأنامل، والملامح الشقراء، والعيون الخضر. ولا أجدك فأظل أمنعني من البكاء حتى أنحب..! د
ألأنني طول السنين الماضية أسكنتك بداخلي فلما احتجتك بجانبي ولم أجدك تذكرت أنكِ رحلتِ؟! أم لأنني أخاف من فَقـدٍ آخر محتمل؟! د

كرهت أنغام لما ذكرتني أنه كلما زاد القرب، صعب الفراق. وكلما نما الاشتياق، كبر الإحساس بالضياع! د

*** *** ***
حاضرة أنا وسط احتمالات قوية للغياب.. أراها تتحقق وأهابها.. فأحاول أن أحبسني داخل زجاج فاميه، لأراهم –أولئك الذين قد يغيبون– من داخله ولا يرونني ولكن لا أستطيع. د
أريد أن أغيب.. أريد جداً أن أغيب.. لكن يبدو أن عمري لم يحرق كل أوراقه بعد. يرهبني الفقـد رغم أنني جربته في أعز الحبايب فمفترض أن أكون اكتسبت مناعة ضد ألمه. أهابه مع أني ذقت أبشع أنواعه، ذلك الذي ليس فيه احتمال للعودة إلا في خيالات الليل! د

فزعانة جداً، فأدخل في محاولات لـ"تقييفه"، ذلك الكائن الغض الهشّ ليصير أربع غرف فقط؛ بطينين وأذينين فقط، ومحاولات أخرى مستميتة للغياب: فآمر نفسي كل يوم ألا أحكي تفاصيل يومي لأنهم قد يسافرون قريباً، ولا أستطيع. ومع أول خيط الضوء من كل نهار، أقول لنفسي إنني لن أقعد معهم الصبح لأغني فيروز وأحكي لهم عن القمر الذي قفز من أغانيها ليكبر فوق سطح بيتنا، وعن راعي القصب المبحوح وعناقيد العنب، وجدي الذي صار طاحونة ذكريات تطحن شمس وفيء... فلا أقوى وأنزلق من نفسي في أغاني وضحكات. د

كل يوم، أعدني بأنني لن أرسم على خدودهم قبلة بلون الفجر قبل الذهاب للمجلة وأغطيهم حتى لا تطير منهم الأحلام وهم نائمين كالملائكة.. ولن آتي لهم ببسكوت الشاي والكوكيز التي يحبون الإفطار بها.. لكنني أنسى. د وفي كل عشية، أقول إنني لن أقرأ لأيهم خاطري.. ولن أفرد لهم روحي سجادة يمشون عليها خوفاً من أن يمضوا لحالهم فيتركوها وحدها مع آثاراهم في خميلتها.. ولن ألون لهم ورقة بتمسية أو تصبيحة وقبلة وألصقها على الباب، أو الكيبورد، أو المخدة، أو أعلقها بخيط على مدخل غرفهم فتقبّل جباههم بعد استيقاظهم.. ولا أفعل. د
كل صبح، أضغط بيدي على حبات سبحتي التي لم أعد أملك غيرها وأضمن وجودها في جيب شنطتي. وأردد مع التسابيح: "دوام الحال من المحال"، "أحبب حبيبك هوناً ما"، و"سبحان من له الدوام".. وأذكرني بكل أوامري لأفعلها.. وكل ليلة آمر روحي بما عليها فعله فتنام على غصّة.. ومع مطلع كل نهار يتجرع هو غصتي ثم يلفظها رافضاً أوامري و وينسّيني إياها محذراً من أنني إن فعلتها، فلن أكون أنا..! د

اختار أن يعيش معهم –أولئك الذين يرحلون قبل الأوان- ويهيم في مداراتهم.. اختار ألا يطيعني.. دائماً ما يضعني ذلك الرهيف، الذي مللت وسعه ورهافته، في مواقف صعبة. حين يتواجد بقوة بينما يتحتم عليه الغياب، وحين يدمن القرب مع أن الأيام أذاقته كلَ ألوان البعاد، وحين يبسط نفسه لهم وهو لا يزال بضّـاً غير واعٍ باحتمالات الضياع التي ستغضنه.
كم أتمنى لو كنتَ ضيقاً ثخين الجدار، تكسو عتباتك الثلوج وفوق سطوحك كراكيب يعلوها الصدأ، وتقوم على قواعد خرسان لا تميل بك ولا تميل فوقها لهزة ورقة شجر، ولهفّة نسيم، وابتسامة عين، ومرأى طفل، وللحظات تقتات على عمرك! د

ضحكوا عليك زمان وقالوا إنك كبير وواسع.. أصدقتهم؟! يبدو أنك صدقتهم واخترت البراح.. تظلّ ماضياً فيه حتى تتيه مني أطرافك فيتحقق الغياب!! د
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ