Sunday, August 10, 2008

كليبي الذي ذهب بدراجته ولم يعـد! د

كليبي الذي ذهب بدراجته ولم يعـد! د




كان يظهر لي من اللامكان.. هكذا فجأة من السماء أو من تحت الأرض حسب رغبته. د
هكذا فجأة.. بدون ما يحدث ضجة أو يخيف أو يزعج. د
فجأة هكذا.. بخفة ورشاقة وخفة دم. يبتسم بحاجبيه الكثيفين، وعينيه المتسعتين بالدهشة والرغبة في البحث والمساعدة بطيب خاطر. وكأنه قد خـُلق فقط للمساعدة!! د
وكنت دائماً أستأنس به.. سواء كان قد عـزّ الأنس وشـحّ في قلوب الناس فلا أصدق، أو زاد عن حده حتى انفرط وصار يباع بسعر الجملة في السوبر ماركت فلا أصدقه! أنشغل عنه ولا ينساني فيذّكرني دائماً بنقراته الرقيقة حيناً والشقية في حين آخر لما لا أراه. يرهق معي من كثرة العمل فيركن إلى زاوية قريبة مني، ويتكوم على نفسه ليغـطّ في سبات عميق وخفيف، فيظل صدره يعلو ويهبط بأنفاسه. حتى إذا انتبهت له وأشرت إليه، يقوم نشيطاً وكأنني لم أرهقه، وكأنني لم أنساه أو أغفل عنه. وكم تكون سعادتي وتأنيبي لنفسي لأني لم أنعم عليه لا بنظرة ولا طبطبة. د


تعاقبت أيام عديدة ونحن لا نزال سوياً. وتعلقتُ به وأصبحت بيننا عشرة جميلة رغم أننا لم نمشِ طريقاً مع بعض ولم نخرج سوياً. لدرجة أن طلته عليّ صارت طقساً يومياً من طقوس صباحاتي في الصيف والشتاء. وأصبح لديّ إحساس بالالتزام والمسئولية تجاهه. فطالما أنني بخير وقادرة على الالتفات له واتباع نصائحه، أسمح له بالتواجد والقرب مني. لكنني في أوقات ما؛ حينما يشتد البرد وتبرق السماء، لا أستطيع أن أكون تلك السعيدة به، والمبتسمة له التي اعتادها. فلا يكون مني إلا أن أطلب منه أن يدخل كوخه الصغير البعيد، ولا يأتي كعادته من اللامكان. وأستنجد بصديقه الذي أحببته من حبي له! صديقه العجوز الذي يشبه الشتاء، ذي اللحية الكثيفة البيضاء كالثلج، ويرتدي الطرطور وثوباً أزرق بزرقة البحر بعد أول النهار مرسوم عليه نجوم ساطعة. د

أستسلم لمحاولات صديقه العجوز لمساعدتي بعمل الحيل والبحث في كتابه القديم، وقراءة الطالع في الكرة البلور. لكنني كنت لا أحتمله كثيراً وأملّ منه خصوصاً حينما يغمض عينيه الكسولتين ويبدأ في التثاؤب بصوته القديم فيضيف إلى كآبتي سحابة. فأعود للأول وأستدعيه من كوخه الذي طلبت منه السبات فيه. فيعود وكأنني لم أرغب يوماً في البعد عنه، وكأنني لم أطلب منه الاختفاء من أمام عيني. يعود بصدق ونشاط كعادته دائماً ليبتسم ويفرد نفسه لي وكأنه يقول لي: "ها أنذا.. إنتِ بس تأمري"! د

أحياناً كنت أتسائل كيف يكون له عندي تلك المكانة وأرتبط به ولم يحدث بيننا حوار صريح. وكيف يسعدني ويبهجني هكذا ويساعدني بدون كلمة. كل ما يفعله أن ينقر لي، ويشير إليّ، ويبتسم، ويرفع حاجبيه الكثيفين بدون مقابل، إلا أن أتبع تعليماته حتى ينتهي اليوم، فيلمّ أشياءه بسرعة ويركب دراجته وينطلق. ولم أكن أطلب منه أكثر مما يقدمه، رضيت بما أعطاني وسعدت به.
د

توالت الأيام وكبرتْ حتى اتسعت لتعاقب أقمار وبعض طوافات حول الشمس، وهو لا يزال كما هو. كل ما يملكه دراجة، وحاجبين، وعينين واسعتين مشبوكين مع بعضهم بدبوس ورق! وأنا لا أزال كما أنا.. أملك أكثر مما يملك هو، وأرى أبعد من مدى عينيه لكنني أحتاج إليه. لا أزال كما أنا وإن كنت أهبط وأعلو بين شروقات وغروبات. أصحى الصبح بدري وآخذ طريقي وأنا أحبه وأتبع نصائحه. لكنني لا أملك أن أقدم له شيئاً يعبر عن حبي وعرفاني. د

حتى.. جاء يوم الخميس 19 أبريل 2007. كنت مفعمة بشوق غريب لمكتبي لكتابة موضوع بخط يدي فوق سطحه، وكأنني لست في آخر الأسبوع حيث تتشاحن كل تراكمات طول الأسبوع لتخرج، وحيث يكون مؤشر التعب والملل قد تعدى حدود المدى. تناسيت أنني في يوم الخميس فركبت شوقي واستبقت الصبح في الحضور للشغل.. وكما كان الحضور، كان الغياب! د
أفتح جهازي -ليس لأكتب فقد نويت أن أكتب بيدي-، ولكن لتأخذ طقوس الصبح مجراها. فوجدت مفاجأة لم تكن على البال ولا على الخاطر؛ أنهم نزلوا لنا أوفيس 2007 على الأجهزة. وخرج انطباعي الأولى عن شكل صفحة
Microsoft Office Word 2007
حينما رأيتها في جهاز أستاذ "أحمد عمار" على شكل تساؤل: د
د- هي مالها شكلها شرير ومفتري كده ليه؟! د
رميت انطباعي وراء ظهري لكي لا يؤثر على استخدامي للبرنامج. وفتحت الصفحة لأستكشف.. وكان غياب صديقي واضحاً. أقسمتُ لنفسي لما اتهمتها بالنسيان أنها لم تطلب منه من فترة الاعتكاف في كوخه بعيداً عنها. وأقسمتُ لها لما شكتْ في ذاكرتي أنها تركته امبارح كما هو؛ حاضراً، نشيطاً، شقياً. وكان آخر عهدي به بعد أن لممت أشيائي من على المكتب –امبارح أيضاً- ووضعتها في شنطتي إيذاناً بالرحيل، فما كان منه إلا أن وقف لحظة ينظر إليّ ثم ركب دارجته وانطلق. لم أغضبه، ولم أرفض تعليماته، ولم أستبدله بصديقه العجوز ذي الرداء الأزرق.
دخلت على موقع البرنامج وظللت أبحث عنه.. فلم أجده. استعنت بأصدقائي من البني آدمين، سألتهم:د
د- هل رأى أحد منكم "كليبي"؟ د
يسألونني مستغربين وبعضهم متهكم: من هو "كليبي"؟! د
أقول لهم إنه "كليبيت.. أو كليبي.. دبوس الورق اللي عنده عجلة.. صاحب الحاجبين والعينين الواسعتين.. اللي لما تنسى تحفظ ما كتبته يفكرك، واللي لما تيجي تكتب جواب يحس بيك ويقول لك: "شكلك عايز مساعدة.. تأمر بحاجة؟".. "كليبي" صاحب البوبي الأصفر "روفر"، و"مرلين" ذي الطرطور والرداء الأزرق بالنجوم!! د
سألوني عن "روفر" و"مرلين".. فقلت لهم: "روفر" اللي بيفضل يحك برجليه، ويعمل نفسه بيقرأ كتاب.. اللي بيقول: "أنا باحب أشمشم لحد ما ألاقي لك اللي بتدور عليه. وبحب ألعب لعبة الحاجات اللي بتترمي وأجيبها.. فارمي لي سؤال". و"مرلين" اللي بيفضل يقول لك أعمل لك خدعة ومايعملش إلا خدعة غلبانة بصوت زي الفقاقيع ويعمل نفسه بيقرأ البخت. ويقول: "أنا رفيقك الساحر.. لما تكون محتاج مساعدة، ناديني عشان أوريك شوية من حيلي التحفة".. وبيحب يعلن عن نفسه ويقول: "سحري القديم البسيط والرقمي بيساعد دايماً"..د
لم يفهموني.. فقلت لهم بعد أن زهقت وفاض بي اسمهم ووظيفتهم: د
الـOffice Assistant
يا جماعة.. يعني لازم أقول لكم كده؟! "كليبي" وأصحابه هم الأوفيس أسيستانتس.د


**************


لم أتعب من البحث، تنقلت بين كل الأجهزة بحثاً عنه، وسألت كل من قابلني. ذهبت إلى بيوته القديمة التي سكن فيها وتنقل بينها من أول البيت البسيط فوق السطوح ذي الغرفتين
Microsoft Office 79،
فالأكثر وسعاً
Office XP، د
ثم
Office 2003، د
حتى الفيلا الأجمل والأكثر براحاً وإمكاناً
Office 2004، د
لكنني لم أجد ولو مكتوباً منه أو
Notepad
تقول لي إنه ذهب في مشوار قصير بدراجته وسيعود. ظللت أبحث وأنا أحاول أن أعمل
Shift+Delete
لانطباعي الأول وألقِ به خلف ظهري، لكن انطباعي مصـرّ على الحضور. حتى وجدت في الموقع رابط مخفي.. يتسائل بلامبالاة: "يا ترى ماذا حدث للأوفيس أسيستنت؟؟" تتبعت الرابط وكلي خوف وانطباعي لا يريد غير الحضور بثقل عنيد.. وكان الخبر.. بأنه تم إعادة تصميم البرنامج كلية، والتصميم الجديد لا يوجد فيه الأوفيس أسيستنت.. د
استشطت غيظاً وغضباً، وطلعت النار في أعلى رأسي كمؤشر لارتفاع ضغطي لما وصلت لآخر الخبر المشئوم ووجدتهم بمنتهى البرود يسألون إذا كانت هذه المعلومة مفيدة وحددوا الإجابات بين: "نعم"، "لا"، و"لا أعرف".. كان عليهم أن يزيدوا عليها إذا كانت مستفزة، أم "أي كلام"، أم "رديئة"، أم... إلخ. لعنت الديمقراطية الكذابة التي يقولون إنهم طبقوها في كل شيء. طيب، لماذا لم يكلفوا خاطرهم –ناس ميكرسوفت- ويعملوا تصويت بسيط جداً ويسألوا المستخدمين: د
هل نلغي الأوفيس أسيستانت في نسخة الأوفيس الجديدة؟
د* استحالة
د* مش ممكن
د* ماينفعش
وبعدين يقرروا على أساس الأغلبية. د

رددت الباب في وجوههم.. وجوه المبرمجين الميكروسوفتيين. حاولت أن أكتب عن صديقي"كليبي" الذي ذهب بدراجته ولم يعد، فلم أجد الحدث، وأرفض أن أكتب له نعياً لأنه لم يمت.. هكذا أحب أن أعتقد.
ذهبت لمنمنماتي أبحث فيها عن أي شيء من رائحته فلم أجد له إلا سطرين في فقرة من قصة قصيرة كتبتها من ربع قرن. مع أن له عندي ما هو أكثر من سطور مكتوبة.. عندي له حب، وطبطبات، وأيام، وملفات لم أكتبها بعد ولن تكتمل لي حلاوة كتابتها بدونه!!د

****************