Sunday, November 30, 2008

المشاية وجزيرة الورد

المشاية وجزيرة الورد وحفلة توقيع في البلد

تسير بنا سيارة أستاذ "أحمد عمار" من القاهرة إلى المنصورة، تحيطنا الغيطان وأبراج الحمام وأبو قردان وقنوات الري. تستغرب نور ابنة أحمد الصغرى ما حولها فتغط في نوم متقطع. ونتبادل أنا وأحمد وزوجته وأخي الحديث حينا ومتعة الشوف والغناء حيناً.. يعلو صوت الكاسيت بموسيقى توقفنا عن الكلام. أنظر في عينيها وتنظر في عيني.. تسألني: د
عارفة دي أغنية ايه؟؟
أيوة.. أيوة.. ثواني.. أفكر.. أتذكر.. أتهلل.. أنا كنت عيدك
صح..

أعرف أنها إبداع "جمال بخيت" لكن لا أعرف أنها ألحان فاروق الشرنوبي وتوزيع ياسر عبد الرحمن وأنها كانت في ألبوم واحد مع أغنيات "انكسر جوانا شيء" و"لما الشتا يدق البيبان"! يبدو أنه كان ألبوم قوي جداً وعمل ضجة يا أستاذ أحمد.. يا بخت الناس اللي كانت شابة سنة 1989 عام صدور الألبوم. يخبرني أ/أحمد وللغناوي رصيد في حياته وديوانه وهو من محبي علي الحجار أنه علاوة على روعة الألبوم، كانت كلمات الأغنيات مكتوبة على الغلاف وهي سابقة من نوعها.. ضحكنا جداً.. د
أنخرط أنا وزوجة أحمد في الغناء: د
د"أنا كنت عيدك.. تنقص نجوم السما أزيدك.. الفجر يغرق آخد بإيدك.."..د

كان من المفترض أن تكون المساحات الخضراء التي مررنا بها في الطريق إلى المنصورة كفيلة بإفاقتي من غبار القاهرة الذي سكن في أنفي وألهب جيوبها مؤخراً فأصابني بصداع أثـّر على عيني بالطبع. وكان من المفترض أن تقوم المشاهد الريفية النادرة بضخ روح طازجة في نفسي.. لكنها لم تفعل.. أو ربما أنا لم أستجب وهو لم يحدث من قبل. تتابعني هبة المنصوري وحسام ليعرفوا أين نحن.. وتصلني رسالة رقيقة من سارة زهرة التيوليب تحمل أمنياتها ودعواتها الجميلة. وأنا لا أزال أعاني من الصداع الحاد. ومحمد هشام يتصل ليعرف كذلك أين نحن.. احنا فين يا جماعة؟ احنا عند بلد الشيخ الشعرواي.. طيب لما توصلوا لبلد أنيس منصور كلمونا. أتصل بهبة.. هاتي لي معاك مسكن يا هبة بليز.د

ندخل المنصورة.. نحازي المشاية وصولاً إلى جزيرة الورد. نركن السيارة ونصل مشياً لمكتبة بوك آن بينز.. تكاد الرؤية تنعدم في عيني وتزداد الألوان قتامة. أبحث في شنطتي عن قلمي البنفسجي الذي أحضرته للتوقيع.. أبحث.. أستغرب أنني أحضرت الأزرق بدلاً منه. أمسكه لأكتب به وأسأل حنين ابنة أحمد ده لونه ايه يا توتة؟ فتخبرني أنه بنفسج! د

د..الفجر يغرق آخد بإيدك.. أجمع سواد الألم في عيني.. وأصب نهر الهوى في وريدك..د

كنا أول الحضور.. وصلنا قبل أهل المنصورة الجميلة التي أزورها زيارة عاجلة للمرة الثانية. ثم يتهافت الناس.. هبة.. حسام وأسرته وولي عهده مصطفى الذي أراه لأول مرة.. محمد وأسرته.. وآخرين لا أعرفهم يشع الود والبشر من وجوههم المنصورية. وتبدأ الحفلة.. يقودها أ/ أحمد بجدارة كما اعتدنا منه دائماً. أتشتت بفعل الكسوف والصداع والضوء. أوزع بصري على الحاضرين.. أحاول أن أتشجع حتى لا أقع مغما عليّ.د

أنا كنت عبدك في عز ضعفك.. وكنت يوم التجلي سيدك.. د
وإذا كفرتِ بسحر صوتي.. هاغني رغم العطش نشيدك.. د

يعلن أ/ أحمد أنه بما أنه لا يوجد بنوتة إلا دعاء اللي هي أنا فلايديز فيرست.. د
يا خبر! طيب أنا مش ليدي.. أنا يانج-ليدي..دويناولني أحمد الدفة فأتوه عن يدها ولا أمسك بها! د

تموت آيات النغم في حلقي.. أنطق بسر الحياة أريدك.. د
تكتب سنين الخلاص نهايتي.. أنطق بسر الوجود أعيدك..
د

بلعني سكوت غريب بعد أن قلت جملتين غير مترابطتين. ويسلوني أن كل الشباب أجادوا الحديث بما فيهم محمد الذي قال إنه لا يجيد الكلام. لكنه أجاده بطريقته وأشاع بهجة توازي خفة دم حسام ليحدث التوازن ويغطيان مع ثقل أحمد الهنّة التي بدرت مني. وينضم إلينا الرجل الطيب الكريم د.بستاني.

ينتهي الكلام.. وأستفيق أخيراً حيث شممت رائحة البلد في المكان؛ فأكواب الخروب والكركديه الرقيقة تدور علينا، والأسر تحيطنا، والود البلدي الجميل يغمرنا، وعمو هشام والد محمد يشجعني ومع كلمات التشجيع خمسة جنيه! فكل حبي لكل من حضر وكل من وقف لأوقع له. وشكراً لأصغر قارئة وقعت لها وهي في الصف السادس والأكبر منها قليلاً في الصف الأول الثانوي.. شكراً لعين مروة الجميلة وياسمين وهما تتابعاني بابتسامة جعلتني أتشجع وأكمل رغم الرهبة. وشكراً خاص لنور وحنين وحضن طنط مامة حسام. د

تودعنا الجماهير بعد محاولات عديدة لاستضافتنا وقضاء الليلة في بيوتهم الرحبة. ونخرج من المنصورة محملين بحلوياتها الباورنية وهدية لي من هبة الجميلة فيها من الحب بلون البنفسج. د

وإذا نسيتِ هاكون نهايتك.. وإذا وفيتِ هاكون شهيدك
وكل ما أرحل هتكوني غايتي.. وكل ما أرجع هاكون وليدك
تنقص نجوم السما أزيدك.. الفجر يغرق آخد بإيدك
أجمع سواد الألم في عيني.. وأصب نهر الهوى في وريدك

Thursday, November 06, 2008

أوباماً قائداً..د
لَعَمْرُكَ وعَمْري إنها لعبقرية...!د
د




شيكاجو: د

أمام آلاف العيون الدامعة، والوجوه التي يتدرج لون بشرتها من الأسود إلى الأبيض، وقف "أوباما" ليس مزهواً بنصره إنما مأخوذاً به وإن بدا رابط الجأش. وقف يخطب خطبة لا أجمل ولا أروع. غزتني كلماتها فاقشعر لها كياني كله، ووددتُ لو كنت أمريكية ليحق لي أن أصرخ فرحاً وحماسة ووطنية طال غيابها وأن أدمع مثلهم!د


بعد أن هبطت زوجته وابنتاه من فوق المنصة، وبعد أن شكر رفقاء العمر وشركاء الكفاح قال: د
"هذه الانتخابات شملت العديد من القصص التي سوف تروى لأجيال قادمة. لكن ما خطر على بالي تلك السيدة التي أدلت بصوتها في أتلانتا. هي مثل الملايين الذين اصطفوا ليدلوا بأصواتهم ما عدا شيء واحد: أنها "آن نيكسون كووبر" 106 عاماً. ولدت في الجيل الذي تلى زمن العبودية حينما كان لا يوجد سيارات في الطريق ولا طيارات في السماء. حينما كانت واحدة مثلها لا يمكنها التصويت لسببين لأنها امرأة وبسبب لون بشرتها. د


والليلة، أفكر في كل ما عايشته تلك السيدة طوال القرن الذي عاشته في أمريكا؛ الوجع والأمل، الكفاح والتقدم، الأوقات التي قيل لنا فيها إننا لا نستطيع، بينما هناك من أكدوا الاعتقاد الأمريكي بأنه: "نعم.. نستطيع"، الوقت الذي كانت فيه أفواه المرأة مكممة وأحلامها منبوذة، عاشت لتراها تقف لترفع صوتها وتنال حق التصويت.. "نعم.. نستطيع". د

ثم تميل جمل خطاب "أوباما" للإيجاز وتتعمق دلالتها.. ويرتج المكان بصوت الجمهور وهم يرددون بعد كل فقرة: "نعم.. نستطيع".. فيكمل في أسلوب بديع يستحق التدريس عما عايشته "آن كووبر":د



د"حينما كان هناك يأس وإحباط في أنحاء الأرض، رأت أمة تتغلب على الخوف باتفاقية جديدة، وظائف جديدة، وبحس جديد بالأهداف المشتركة، وبأننا (نعم... نستطيع). حينما سقطت القنابل على "بيرل هاربر" وهدد الطغيان العالم، كانت هي هناك تشهد جيلاً ينهض ويحافظ على الديمقراطية. وهو يقول: (نعم... نستطيع) كانت هناك فشهدت *الأتوبيسات في منتجمري، و*البيوت في برمنجهام، و*جسر "سلما"، وواعظ من أتلانتا قال للناس: "لا بد أن نغلب".. و(نعم... نستطيع) رجل خطى على القمر، وحائط تهدم في برلين، وعالم ترابط بعلمنا نحن وبخيالنا. وهذا العام، في هذه الانتخابات، لمست بإصبعها على شاشة لتدلي بصوتها، لأنها بعد 106 سنة في أمريكا خلال أفضل السنين وأحلك الساعات، عرفت كيف يمكن لأمريكا أن تتغير"!د


وبعد أن كان الخطاب موجها في أوله "أهلا شيكاجو".. عممه ليخاطب أمريكا كلها: "أمريكا.. لقد قطعنا شوطاً طويلاً، وشاهدنا الكثير، لكن هناك الكثير جداً لنقوم به. ولهذا علينا الليلة أن نسأل أنفسنا: ماذا لو عاش أطفالنا ليشهدوا القرن التالي، وماذا لو كانت ابنتاي محظوظتين جدا لتعيشان مثل "آن نيكسون كووبر" ما التغيير الذي ستشهدانه؟ وأي تقدم سيكون؟! هذه فرصتنا للإجابة على ذلك.. وهذه هي لحظتنا". د


*****
لم يتحدث "أوباما" عن المواطنة، ولا عن الحقوق الإنسانية، أو عما عانته الدولة في سبيل توصيل المياه لبعض القرى على أطراف المدن! ولم يدخل في خطاب طويل لا يصدقه عقل عن نسب التنمية التي لم تتمكن أي دولة أخرى من تحقيقها ما عدا دولته! ولم يقل بأسلوب إنشائي طنان: "أيها الأخوة والأخوات.. أؤكد لكم جميعا اعتزاز مصـــ.. أقصد أمريكا.. بكم وبدوركم ووطنيتكم، وتقديرها لاسهامكم في نهضتها ومسيرة شعبها. العمال في طليعة المسيرة... وأن هناك تحديث وتطوير لخطوط الانتاج. وهناك بشائر استثمارات صناعية جديدة بمحافظات بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج. وأخرى تمتد لباقي محافظات الصعيد وسيناء". ومصر بتتقدم بينا يا أولاد! إنما قال إنه أمامنا مشوار ورغم أننا فعلنا الكثير لكنه ما زال هناك الأكثر لنقوم به. د



بعيداً عن الشعارات والحكم المنتهية الصلاحية والتأثير تحدث "أوباما" مع شعبه وناسه، وخارج المفاهيم الإنشائية المجردة "الوطنية والمواطنة وbla.. bla… bla جاءت جمله محددة بأبعاد ثلاثة. تستنفر الهمم وتقوي العزائم من خلال سرد موجز بليغ لتاريخ أغلبه معاناة وكفاح. وذلك بالإشارة لما عايشته السيدة السمراء "آن نيكسون كووبر" في 106 سنة هي عمرها في أمريكا وفي العالم. عاشت لترى نيل المرأة حق التصويت في السادس والعشرين من أغسطس عام 1920 بعد أن طرح لأول مرة في يوليو عام 1848، وضربة البحرية اليابانية لميناء "بيرل هاربر" الأمريكي في الحرب العالمية الثانية الأحد 20 يوليو 1941،. وحملة مقاطعة الأمريكيين السود للأتوبيسات الفصل العنصري في منتجمري بولاية ألاباما التي استمرت من 1 ديسمبر 1955 حتى 20 ديسمبر 1956 حيث كان يتم تخصيص بعض المقاعد الخلفية في الحافلات للمواطنين السود –هذا إن لم يكن الرجل الأبيض كان في حاجة إلى مقعد منها-.. وانتهت بإقرار المحكمة العليا بأن قوانين الفصل العنصري في منتجمري وألاباما غير شرعية. د



وشاهدت حملة برمنجهام ضد الاضطهاد والفصل العنصري، ويوم الأحد الدامي 7 مارس 1965 حينما انطلقت ثلاث مسيرات سلمية من مدينتي سلما ومنتجمري وصعدت جسر "إدموند بتوس" خارج مدينة سلما مطالبة بحق التصويت للسود. فينال المتظاهرون بدلا من حق التصويت عقاباً عنيفاً من قوات الشرطة. عاشت لتشهد أول هبوط على سطح القمر لـ"نيل أرمسترونج" في 20 يوليو 1969، وتهدم سور برلين 1989، ثم ربط الأمريكيين للعالم ببعضه من خلال علمهم وخيالهم، في إشارة للتقدم التكنولوجي والعلمي.دد
*****

تلتف الكاميرا حول "أوباما" فيلتف معها ويبتسم.. وهو لا يزال يؤكد أن كل ما عايينته وعاشته "آن نيكسون كووبر" دليل دامغ على أن عبقرية أمريكا تكمن في أنها تستطيع.. وأن: د

لَعَمْـرُكَ ما ضاقـتْ بلادٌ بأهلـها
ولكـن أحــلامَ الرجـالِ تضيـقُ

!!
*******************************************************