Monday, March 02, 2009


أكبر معاك... ونكبر سوا





كان النيل قد اتخذ من الضباب الكثيف ساترا، فبدا وكأنه مثلنا يُصاب بالبرد ويعاني من ضيق التنفس فتخرج أنفاسه ثقيلة معبأة بالبخار لتكون السحب. وكانت الساعة على وشك مغادرة تمام السابعة، لكنها تشبه السادسة تماماً. تعجبت.. لعله البرد، لعله السكون الموحش، أو الهدوء الناعس الذي يغلف الناس والأشياء في هذا التوقيت، أو لعلها بقايا الليل لم تبرح خيالات البشر وأجفانهم.د

كنت أستند برأسي إلى زجاج الأتوبيس المكيف الذي اتفق على تسميته السي.تي.ايه رغم أن السي.تي.ايه تعني أي أتوبيس تابع لهيئة النقل العام! أشاهد الشراذم العابرة وتصاريف الحياة والطقس والتراب في تقاسيمهم ومشيتهم. وأمسك بملامحي متلبسة في حالتي انقباض وانبساط تفاعلاً مع ما أراه. بينما أستمع إلى حديث الصباح من برنامج "في ظلال الهدي النبوي" لـد."أحمد عمر هاشم" بإذاعة القرآن الكريم، وحديث اليوم روته السيدة أم المؤمنين "عائشة" رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الرحم وأنها معلقة بالعرش تقول: "من وصلني، وصله الله.. ومن قطعني، قطعه الله". كنت في انتظار حديث جديد.. "هذه الحلقة مُعادة".. حدثت نفسي بهذا بنبرة يعمرها الضجر. د

ومع كل ذلك، أو بين كل ذلك، كنت منشغلة بمفهوم العدل والقسط عند الله دون أمل في التوصل لحل قاطع جازم لأني أعتقد أنه سر من أسراره سبحانه. فكيف يكون عدله وليس كل من خيراً يعمل، خيراً يلقى في الدنيا؟! وكيف يصل بعض المتسلقون المتملقون دون العاملين المبدعين الحقيقين؟؟!! فقط، لأنهم وجدوا جوقة تقول آمين، وشخصاً مثل الملك "لـير" يحب أن يسمع ما يسره ولو كلّفه تمزيق أوصال أمة! وليس لأن الله منحهم سيقان رشيقة طويلة، فحافظوا عليها وزادوا من قدرتها بالسعي والجري؟! قطعت طريق الأسئلة على نفسي بتسبيح الله وترديد الشـهادة لأؤكــد لله، وهو سبحانه يعلم، أنني لا أتساءل تشككياً يا ربي، إنما تبجيلاً وتدبراً في عظمتك ليس إلا.. وأحلف به له.. والله العظيم يا ربي.

وبينما كان حديث الشيخ "الشعراوي" قد بدأ، انحنى ذهني بعيداً عن كل ما سبق، واتجه مبتسماً إليه. فكثيراً ما يستبد بي حبه، فأدعو له، أو أبتسم، وإذا جاء استبداد الحب أول الصبح، أرسل له رسالة "صباح الورد والشوكولاتة بالبندق". رغم أنه لا يفصلنا عن بعض إلا مواعيد العمل.
يطل عليّ من بين ثنايا قلبي وطفولتي بوجهه الهاش الباش وعينيه العسليتين.. أجمل عيون عسلية باسمة، وبطريقته المهللة في الرد على التليفون والترحيب. بلا ميعاد يطلّ.. وبلا سابق ترتيب يهلّ. يشق طريق الأفكار المتزاحمة في فكري كبدر يصرّ على الحلول رغم غشاوة الجو وركامات الغبار. د

أتذكر خلافاتنا الأولى حينما كنا صغاراً نتعلم سوياً العدَّ والخطَ وعلاماتِ الكتب، ونتشاجر على قلمي الرصاص. تريد أخذه بعد أن تقضم أستيكة قلمك الحمراء. ثم كبر الخلاف ولم تعد تسعه المقلمة وكراسة التسعة أسطر. ويالغرابتي.. فقد كان حول أنك تضحك كثيراً. والآن، ضحكتك المحببة هي أكثر ما أذكره في وجه العُبوس والأحداث المكفهرة! وفي أيامنا الشاقة التي كابدناها سوياً.. تصعد إليّ من غرفتك بالدور الثاني بالمستشفى لغرفتي بالدور الرابع لتراني بعد أن تجاهد لكي تخرج ابتسامتك من بين الضمادات والحزن والجروح والكدمات والوجع.د
لم أتوقف يوماً لأسأل إن كان يحبني مثلما أحبه، وينشغل بي مثلما ينشغل بالي وقلبي. فقط، يزعجني أنه يشرد أحياناً بنظره -فقط- أثناء الحكي فأتوقف متضايقة وأسأله عن آخر ما قلته لأرى إن كان معي أم لا. حتى توالت الأيام وصار بعض أصدقائه أصدقائي، وجائتني دعوات لمناسبات أعياد ميلاد وخطوبات وغيرها. يقابله الناس بالأحضان ويلتفون حوله، وينولني من فيض حبهم له وداً، وحباً في ظله وأسمع منهم: "ده بيحكي عنك كتير". د
أتذكر إحدى صاحباتي قبل أن تكون صاحبة وتعرف طبائعي ومكونات حياتي. كنا نتكلم في العموميات فلم يكن الخاص قد وُلد بيننا. علا صوت موبايلي بـ:
I wanna grow old with you
……………………………..
I wanna be there for you
Sharing everything you do
قالت إنها تحب هذه الأغنية رغم أنها لا تحب الأغاني الأجنبية بصفة عامة. ثم سألتني وهي تغمز: دي النغمة العامة ولا لحد معين؟ ابتسمت ابتسامة واسعة تملؤها الثقة وأنا أجيبها: طبعاً لحد معين.


********

في حفل التوقيع الأول، ارتديتَ الأزرقَ والجينز وجئتَ حيث لم أتوقع مجيئك لانشغالك وإرهاقك.. جئتَ.. لأجدك في كل مكان كلما أرفع بصري باحثة عن سند ودعم، أجدك أنت وأبي. تحاصرني ابتساماتك وتشيع داخلي الطمأنينة فتهدأ أنفاسي وأكف عن اللعب بلبيسة القلم. ينتهي الحفل، وينفض عنك أصحابي، نخرج سوياً، أمشي بجانبك فخورة بك. أكاد أن أشير لكل الناس عليك وأنا متأبطة ذراعك. فأجدك تهمس لي بأنك طاير من الفرحة.. وكلما مـررنا في الطريق على إنسان أو قطة تميل عليهم تمثيلاً فأعرف ما تنوي فعله. أحاول أن أسبقك فيختلط صوتانا الخافتان، تقول وأقول: دي دودو.. ده الباشمهندس.. ده حماده.. أختي.... أخويا.ربنا ما يحرمني منك يا أحب وأجمل أخ.


_______________________


Sunday, January 18, 2009

تحت الصفر

تحــت الصفــر! د



(0)

تلكأ الصبح في البزوغ فكان ثقيلاً مترنحاً تكاد خطواته تنزلق فوق الدنيا من فرط ما يحمله من رطوبة الليل ومن حواديت حبيسة، اختمرت ولا تجد من يحررها. ومع الهواء، كانت تتنقل ذرات رائحة لاذعة مبهمة، تضرب بقوة وسرعة، ثم تنسحب بنفس السرعة تاركة قشعريرة تلسع تجويف الأنوف. رائحة بائتة ليس فيها صَباحة وإن كانت تبعث على الحذر! د

ومثل خطوات الصبح، كانت العجوز ترتقي درجاتِ سلم الميني باص الثلاث، تتشبث يداها بالباب وتكاد قدماها تنزلقان من فوق سلم الحياة. أسندت ظهرها إلى العمود.. ظهرٌ نـاءَ بعمـرِه وأطرافِ صاحبتـِه المكتنزة، المتهدلة. ومثلُ الرطوبةِ اللزجة، التصقَ الرجال والشباب بمقاعدهم وانخرط بعضهم في نعاس باهت أو قراءة مفتعلة فور صعودها.د
تمنيت لو أنني كنت جالسة مثلهم، أو أن لي عمراً يماثل عمرهم، أو أن لي ذقناً خشناً وصوتاً أجش. أطلقت النظرات الحادة على من تظاهر بالنعاس والقراءة ومن تشاغل بالفرجة من الشباك على النائمين عراة على الأسفلت الرطب. كثر الشزر وزادت نظراتي حدة وإصراراً ولا تزال الأعجاز ضاربة في أصلاب المقاعد. د
اقتربت من العجوز.. واستجمعت الدفء وجاهرت بأمنيتي الأولى: "كان نفسي أكون جالسة لأجلسك".. ابتسمت بوداعة وامتنان. فجاهرت بأمنيتي مرة ثانية.. ولم يحرك أحد ساكناً.
د
استجمعتُ صوتي وأشرت لأحد المنخرطين: "أليس من الممكن أن تحتمل الوقوف لتجلس هذه السيدة؟!". تفاجأ.. ثم أشاح بوجهه متظاهراً بأنه لم يسمعني. فاستحال الدفء الذي استجمعته شرراً يتطاير من عيني وكررتُ ما قلته له.. لم يجد ما يستغرق فيه، فقام بعد أن أبدى محاولات يائسة لفك الالتحام بينه وبين مقعده.د

لذتُ بالعمود بينما استمر الباقون في الانخراط! د

(1-)

كان الجو معتدلاً يتدرج مزاجه بين ربيع مصري وليال آخر الصيف، والناس يتخبطون في تحركاتهم للإعداد لعيد الأضحى الذي اتفق على أنه الكبير. اختلطت نداءاتـُهم وإيقاعاتُ حركتهم الفوضوية مع أصوات الأغنام التي يسوقـُها الرعاةُ لتأكلَ من بقايا فضلاتِ المدينة، تقاطعَها حيناً وتتداخلُ معها حيناً آخر أصواتُ أبواقِ السيارات، فينغمسُ الكون فيما عداي في صخَبٍ بغيض.د

وقفتُ أمامَ البقالة لأشتري بطارية.. أكره المزاحمة ولا أعرف كيف أحتفظ بدوري إذا جاءت إحدى السيدات أو أحد السادة وبأسلوب آمـرٍ وصوتٍ عال يطلب من البائع أن يعطيه ما يريد. فأظل مكاني صامتةً حتى يجيء دوري أو يلمحني البائع فيسألني عما أريد.
د
مقابلُ البقالة، محلُ الجزارة الذي أتجنب النظرَ إليه خوفاً من منظر اللحم والأفخاذ المسلوخة المعلقةِ خارجه. وفي انتظار دوري الذي لا يأتي، لمحته أمام الجزارة. صغير، جميل، لا يكاد يعرف كيف يثبت أرجله في وضع يحفظ توازنه، يوحي شكله بأنه حديث عهد بالدنيا إذا لم تعلق به أي قاذوراتها. انتبهت له والتففت إليه تاركة دوري. كان مشتت الحركة بين أن يحفظ توازنه وأن يتقافز ويلعب كالأطفال، مشغول بمضايقة الحبل البلاستيكي الشائك الذي عـُقد بإحكام غبي قاس حول رأسه. لا أعرف لماذا أحسست بأنه طفل وليس طفلة مع أني لا أفقه في البهائم. ومثله، تشتت أنا بين أن أستمتع بشكله البريء وأضحك على حركاته الطفولية، وأن أتألم من منظر الحبل المنعقد حول رأسه.. رأس وليد الجاموسة.. غلب تألمي فرحتي حينما تساءلت باستغراب: لماذا يضعون هذا الوليد أمام محل الجزارة؟ هل سيساق إلى السكين قبل أن يتعلم الأكل؟؟! وهان على من جلبه أن يأخذه من خلف أمه.. هكذا؟؟! د
قاطع ألمي ودهشتي خروجُ رجل من الجزارة يحمل إناء ماء ليضعه أمامه ومضى غيرَ آبـه به. فرح الصغير بالماء وكاد ينزلق وهو يحاول الوصول إليه.. مال برأسه قدر ما يمكنـّه الحبلُ القاسي.. وفمه لا يكاد يلامس سطح الماء. راقبته وهو يحاول، وأنا أحاول بدوري أن أقيس المسافة من مكاني بعيني المجردة بين رأسه والماء ثم أقدّر طول الحبل لأعرف إن كان سيستطيع الشرب أم لا. بعد محاولاته ومحاولاتي، تأكدت أنه لن يستطيع لكن المسكين لم يكن قضى في الدنيا وقتاً يكفي ليتعلم ويعرف كما عرفت فظل يحاول.
د

استجمعت شجاعتي وتركت دوري واتجهت نحو محل الجزارة. وقفت أمامه وزاد تألمي حينما رأيت الساطور في انتظار الصغير الذي لا يعرف كيف يشرب. لم أجد أحداً يلمحني فلم يكن أمامي غير الدخول.. دخلت وأنا لا أعرف ماذا سأقول وتوقف الرجال عن الكلام فور رؤيتي. رفعت إصبعي لأشير نحو خارج المحل، للمكان الذي يسجن فيه الصغير. فأنا لا أعرف ماذا يسمون وليد الجاموسة.. استبدلت تسميته بالإشارة إليه دون تقليل من شأنه وقلت لهم إنه لا يعرف كيف يصل للماء فالحبل قصير.. تبادلوا ابتسامات سريعة تكاد تنفجر ضحكاً. فتحول ألمي لغضب وطلبت أن يخرج أحدهم ليفك الحبل ويدع الصغير يشرب الماء.
د
خرج أحدهم.. وانخرط الآخران في ابتسامات مستفزة، تتبعني أعينهم الباردة!د

(2-)

اتخذت طريقي الصباحي نحو المجلة، لا ألوي على شيء غير السكون والاستماع للراديو. فتحت الشباك الذي أجلس بجانبه قليلاً ليدخل منه ضوء الصبح الناعس وهو (يبربش). ومسحت زجاجه قبل أن أستند عليه للتأمل -زادي وهوايتي المفضلة التي أمارسها في السكات ووحدتي. كان الركاب ملتفحين بصوف لم يأنِ له أن يخرج من الدولايب في هذا الجو المعتدل. تأفف الجالس ورائي وامتدت يده في حركة خرقاء بجانب وجهي ليغلق الشباك عـنوة. حدجـته بنظرة لا تعني المناقشة، إنما البتّ والإخبار بأن ما فتحته أقـلَ بكثير من نصيبي في هواء الصبح. وانكفــأ النـاسُ على صمـتٍ خــاوٍ مـــوحش بينما انغمـستُ أنا في الاستمــاع و(الشــوف).د

لم تكن عتباتُ الصبحِ توحي بجديد يميز اليوم عن سابقه ولاحقه. وظل الوجود هكذا حتى لاحظت خلو السماء من اللون الرمادي الداخن على مشارف رمسيس. وظلت الزُرقة تتكثفُ شيئاً فشيئاً حتى صارت كسفا في الدمرداش، تتخللها كسفُ سحبٍ نقيةُ البياض.
د
فتحت الشباك كله وأنا لا أكاد أصدق ما أراه من حال السماء. حالٌ لا يتسقُ مع سماء القاهرة التي لا ترضى عن ردائها الداخن القاتم بديلاً في أغلبِ الفصول. ولا يزال الركاب منغمسين في الصمت الموحش.
د
فصلت السماعة عن الهاتف لأتمكن من تحويل حالِ السماء إلى صورٍ يخزنها في ذاكرته علاوة على ذاكرتي. وبدأت في التصوير.. ازدادت الزرقة رونقاً وعمقاً وتدرجت في تماوجات خلت أنها انعكاس لبحر غير مرئي عظيم تعوم فوقه القاهرة. وترقرق الأبيض وتكاثف حتى أحسست أنني أسبح في رغاوي كريمة تطفو فوق كوب كابتشينو. وتناثرت السحب شذر مَذر وتنوعت أشكالها وأحجامها واختلف سمكها فبدت وكأن الرياح تحمل (مقشة بلح) وتكنس بها السماء دون نظام. فتتجمع سحبٌ في جهة وتتبعثر أخرى بالطول في جهة مقابلة بين مُـزْن تحمل داخلها الرعد وسحابات صيف. ولا تكتفي السماء ببسط نفسها للأبيض والأزرق، فأشركتْ معهما لوناً رمادياً شفيفاً ليس فيه فـناء الرماد وكآبته ولا رائحة الدخان وشوبه. وكلما لاحَ الأفق من بين العمائر، واقتربت الزرقة من الأرض، علقت مسحةٌ من اللون الأخضر بالزُرقة فيحيلها لموجة من الفيروز. د

بدأت التعابير تدب في وجوه تماثيل الشمع، فتعلوها ابتسامات جانبية ونظرات متلصصة على ما أفعل دون أي انتباه لحال السماء! ثم صار للابتسامات صوت متقطع ساخر. لم يسعفني التجاهل فعزمت أمري ونزلت في روكسي قبل محطتي لأسلم نفسي للملكوت وأكون وحدي مع السموات وخالقها. ومثلما استسلمت السماء أمام الأزرق والأبيض بدرجاتهما، استسلمت لها مِصرُ الجديدة بمعمارها الجميل وإيواناتها. د

سرت وأنا أتمنى أن أكون عمارة أو جناحاً أو قصاصة ورق. وكانت أحوال السماء تتبدل طوال سيري فتارة تبدو أنها تقترب من الدنيا بحنو بهيج وكأنها ستحتضنها وتفتح لها أبوابَ الجنة. وتارة أرى في حركة سُحـُبها ما يشبه الفوران والانقضاض وكأنها ستطبق على الأرض فتنقبض أنفاسي. وتارة تدنو جداً لدرجة الاحتواء والابتلاع فتدغدغ قلبي نعومة أذيال السحب وكأني صرت جزءاً منها. وكلما اشرأبت روحي نحوها على أطراف أصابعي واتسعت دائرةُ الرؤية، ألمح خطاً رفيعاً حادا، كفلقٍ نوراني داكنٍ في قلبها. تجسيدٌ خارقٌ لمعنى التعاقب، يشي بانسلاخِ ليل البارحة عن نهار اليوم الجديد.
د

وعلى امتداد بصري في آخر الشارع، ومن خلال شـَقٍ طولي بين معمار مصر الجديدة وقبابها، أبصرت قرصَ الشمس يتسللُ من بين موجة الفيروز محاولاً الصعود. د

لم تستطع كاميرا الموبايل العادية التقاط هذا المشهد الجليل. ولم تستطع عيني الصمود أمام جلاله فدمعتْ، وتمتمتُ بتسبيحات عشوائية مرتجلة "حضرتك عظيم جداً يا رب"، بينما لا تزال أصوات ابتسامات الشرذمة العابرة تعلو لتكتمل في محاكاة لصوت الكاميرا وعبارات تستفهم تهكماً عما أصوره في هذا الوقت الباكر! د

(3-)

تساورني رائحة مطر وتستعمرني فأبحث عنه وأنتظره.. أريد أن أسير تحته وأبتل به وأهمس إليه بأحلامي، لكن لا يوجد ما يبشر بفرج أو مطر.د
أفتح حسابي وأتجول في الفضاء الخارجي لعلي ألقى إحدى صديقاتي العزيزات اللاتي تفصلني عنهن بحور على الخط، فأهنئها بدنو أجـلِ عامٍ منصرم، وقربِ ميلادِ عامٍ جديد، وشـَتوة تتمنعُ علينا في مصر رافضة الدخول، ولأتمنى لها الدفءَ في كل عام، وكل حين. د

وجدت صديقتي التي تعيش الآن في بلاد هي قلب الشتاء وقد وضعت صورة لنفسها وسط الجليد. فرحت وتهللت أساريري بالصورة الثلجية.. تبادلنا الأشواق ورسم القبلات والأخبار. قالت لي إن الجميع ينصحها بعدم العودة فماذا أرى. باغتتني.. تذكرتُ السائرين حفاة، والملتحفين بالأسفلت والليل، والعابرين المتفرجين عليهم بعيون متبلدة، والعجوزَ التي لا تجد مقعداً، والكهلَ الذي ترجاني يوماً لآخذ كل ما معه من الليمون ولو دون مقابل حتى يستطيع العودة لبلدته قبل العتمة. وابتسمتُ ناسية أنها ليس في إمكانها رؤية غصتي التي أحاول إخفائها بابتسامة.. أعادت عليّ ما قالته.. تذكرتُ الفتاة ذات الضفيرتين والشفاة المتدلية التي تجلس في ميدان العباسية بجانبها أكياس المناديل مبعثرة وساقها الخشب، وتذكرت المَشات المتحركة والقسمات المكفهرة التي تمر عليها كل يوم.. كل يوم دون أن تراها، والأيادي التي تنسحب بين مقاعد المواصلات مستحلة أجساد الصبايا. مهدت لكلامي بمقدمة لا لزوم لها، لأصل في نهاية القول أنها من الأفضل أن تظل هناك فقد خلـَت مصرُ من معنى الوطن.. صمتت قليلاً ثم كتبت: حتى أنتِ يا دعاء مع علامات تعجب كثيرة(!!!) لم أجد ما أرد به وجمعت طرفي الجاكت وضممتهما على قلبي خوفاً من بردٍ محتمل. حكت لي عن رؤيتها للسماء وهي تثـلج للمرة الأولى وعن فرحتها ثم غربتها. غبطتها لأنها رأت وجه الثلج وتمنيت لو أن في إمكاني الذهاب إليها لأراه وأقبّله وأجمعه في يدي كرات أدحرجها بعيداً عني.
د
تركتها على وعد إكمال الحديث..
د

وفي الصباح، كان خوفي وافتقادي للشتاء الرباني قد عظُم وتوحش. فاستعرت صورتها وجعلتها خلفية لشاشة جهازي الحاسب. لعل شتاءها يحل عليه خوفاً من حلوله الأبدي في مكان آخر.. فأكون مشتى متحركاً.. في كل الفصول!! د
*الصورة من تصويري بمعاونة كاميرا الموبايل

*****************




Thursday, January 01, 2009

رسالة إلى الوالي

رســالة إلى الوالـي



سيدي الرئيس.. د
تحية عاجلة وبعد..د
هذه الرسالة الوحيدة التي أكتبها لك بعد مئات الرسائل التي انتويت إبلاغك بها. لكن سرعة الأحداث لم تسمح لي ولم تتطاوعني حماقتي. لكنها الآن طاوعتني وفعلت رغم علمي بمشاغلك التي تفوق التصور.. فاعذرني!د
سيدي الرئيس.. هناك أمر يشغلني ولا أستطيع النوم.. وتصيبني غصة عند فعل أي شيء وأشعر بالذنب. شعرت بالذنب لما ضحكت على نكتة أول أمس، وأنا أأكل شيبسي البارحة، ولما فرغت أنبوبة الغاز فتضايقت من برودة الماء وملأت إناءا ووضعته على البوتاجاز وبعد أن سخن لم أستخدمه وأجبرت نفسي على الوضوء بالماء البارد فجراً. أحسست بالذنب وأنا أتقلب ليلاً في سريري فأنا أستيقظ إذا تقلبت يا سيدي.. تألمت عندما شددت الغطاء الثقيل ليحمي ظهري من الهواء وقلت ماذا لو كان ظهري مثل ظهورهم تخترقها الرصاصات وتغطيها الدماء؟! د

سيدي الرئيس.. أنت ولي أمرنا فإليك يرجع السؤال ومنك تؤخذ الحكمة. لقد كنت ملء بصري وتفكيري في اليومين الماضيين خصوصاً أثناء متابعتي لما يحدث لنا –نعم لنا- في غزة، ورغم امتلاء عيني أغلب الوقت بالدموع والحسرة. لا تتسرع وتسيء فهمي سيدي، فكلامي لا يعني أن لك علاقة بما يحدث على الإطلاق كما يقول كل الناس، لا داخل مصر ولا خارجها. أقصد بأنني كنت أفكر في سيادتك أنني أتساءل كيف ترى ما يحدث في غزة؟ ما تفسيرك؟ أو كما يقول مذيعو الجزيرة بأصواتهم الممتلئة ولغتهم السليمة: "ما قراءتك للموقف هناك؟" مع أنه لا يوجد هناك والموقف هنا..د والله العظيم الموقف هنا!د
أنت بالطبع تعلم أن غزة تـُدك، وأن من نجى من أهلها من المجاعة والأوبئة والحصار في الشهور الماضية، تساق أجزاؤه الآن إلى القبر بلا كفن.. ليس لديهم أكفانا يا سيدي فيلفون أشلاء الشهداء في آخر بطانية التحفوا بها. أنا أسأل لأنني سمعت الكثير والكل متفق على تورطنا فيما يحدث، يقولون إننا أعطينا إشارة الموافقة بصمت.. حتى القائد "حسن نصر الله" قال ذلك آسفاً بل وزاد أنها ليست الأولى وأننا فعلنا بهم كما فعلنا بالفلسطينيين. لقد تركوا العدو ويهاجموننا سيدي الرئيس.. حبايبنا في لبنان وسوريا والسودان أشعلوا المظاهرات أمام سفارتنا. شاهدتهم وهم يحرقون العلم الإسرائيلي وأكاد أرى علم مصر يُحرق بعده. والنشرات تقول إن المظاهرات تعم المدن العربية تضامنا وشجباً وإدانة ولم يذكروا القاهرة. يقولون إننا أغلقنا معابرنا في وجوههم ونرفض استقبال أحيائهم وموتاهم. بل ويندفع ذلك الذي عينته وزيراً للخارجية ليقول إنهم هم الذين لا يريدون الدخول.. كيف سيدي الرئيس؟؟
تساؤلي يأتي بعد تكرار القول والإجماع عليه.. هل فعلنا ذلك بهم؟ هل حدث ذلك بعدما سلم شيخ الأزهر بحفاوة على أولمرت وهو محني الرأس؟! أم عندما ربت أولمرت على كتف سيادتك في إحدى زياراته لمصر؟! د
هم يقولون إن مصر تسعى.. ونظل نسعى.. فأين نتاج السعي يا سيدي؟ أنا لا أحملك مسئولية شيء لكنك بحكم توليك إمارتنا مما يربو على ربع قرن، مسئول. ويبدو أنني سأصدق أن الكثيرين من حاشيتك لا يخبرونك بما يحدث فهل أخبروك أننا نصدر الغاز مجاناً لإسرائيل؟ يعني حتى لو لم نصمت وحتى لو لم نسلم على العدو بذل وحميمية كما فعل "أبو مازن" مع "ليفني"، فنحن مشاركين في ضرب غزة.. ألا يعتمدون على غازنا لتوليد الكهرباء؟! فلماذا لا نمنعه عنهم كما فعل الملك "فيصل"؟!!د

لم أعد أحتمل ما يحدث يا سيدي.. أنا أصلا لم أحتمل من قبل لأقول "لم أعد"! فلماذا لا نستضيف أهل غزة لدينا حتى ينتهي الإسرائيليون من دك بنيتهم التحتية؟ لدينا الكثير من المقابر ووحدات السكن. ولا تخاف.. فعددهم قليل بالمقارنة بنا ولن يحدثوا طفرة في عدد سكاننا. لماذا لا نفعل وفقط دون دراسات للجدوى التي لا تحدث، وعمل استبيان وتصويت ومسح؟! وأضمن لك أنه لن تحدث مشاكل ولا انفجارات فكلنا نريد أن نحيا ونموت في سلام. أنا بفضل الله مستورة لكن ليس لي حساباً في البنك وأبي لا استثمار له في الإسكان والتعمير بالقطامية ولم يحجز أرض فضاء في "الرحاب" ولا فيلا في "مدينتي". لكن عندنا مطرح وسأستأذن أبي وسيرحب وسيكف عن الدعاء بحرقة على من كان السبب. عندنا مطرح يصلح لاستضافة بقايا ثلاث أسر فلسطينية يا سيدي! د

أرجوك أجبني أنا وملايين المصريين والعرب يا سيدي.. قل لهم إننا لم نفعل، وإنك لم تصمت.. أخبرهم سيدي الرئيس.. أخبرهم أننا نحبهم وندعو لهم، وأننا نريد أن نتبرع لهم لكن لا يوجد باسمهم حساب في بنوكنا، وأننا أرسلنا حملات إغاثة ومعونات لكن الإسرائيلين هم من أغلقوا المعابر وليس نحن، وأنهم من يطلقون الغاز في الأنفاق ليقتلوا من يبحث عن ملجأ في نفق وليس نحن.
أكاد أختنق يا سيدي وجل خوفي أن أعلم يوماً علم اليقين بأن من أتكلم عنهم بصيغة الغائب (هم)... هم (نحن)!د

سيدي الرئيس... د
أرجوك.. أنا في انتظار رد سيادتك. فأنا لا أعرف كيف سأصبح على صديقتي الفلسطينية وماذا سأقول لزميلتي اللبنانية لو طلبت مني دليلاً على أننا لم نفعل.. وماذا سأختار ليكتب لي في خانة الجنسية عند تجديد بطاقة الرقم القومي.. يا سيدي! د

دعاء سمير