Monday, March 02, 2009


أكبر معاك... ونكبر سوا





كان النيل قد اتخذ من الضباب الكثيف ساترا، فبدا وكأنه مثلنا يُصاب بالبرد ويعاني من ضيق التنفس فتخرج أنفاسه ثقيلة معبأة بالبخار لتكون السحب. وكانت الساعة على وشك مغادرة تمام السابعة، لكنها تشبه السادسة تماماً. تعجبت.. لعله البرد، لعله السكون الموحش، أو الهدوء الناعس الذي يغلف الناس والأشياء في هذا التوقيت، أو لعلها بقايا الليل لم تبرح خيالات البشر وأجفانهم.د

كنت أستند برأسي إلى زجاج الأتوبيس المكيف الذي اتفق على تسميته السي.تي.ايه رغم أن السي.تي.ايه تعني أي أتوبيس تابع لهيئة النقل العام! أشاهد الشراذم العابرة وتصاريف الحياة والطقس والتراب في تقاسيمهم ومشيتهم. وأمسك بملامحي متلبسة في حالتي انقباض وانبساط تفاعلاً مع ما أراه. بينما أستمع إلى حديث الصباح من برنامج "في ظلال الهدي النبوي" لـد."أحمد عمر هاشم" بإذاعة القرآن الكريم، وحديث اليوم روته السيدة أم المؤمنين "عائشة" رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الرحم وأنها معلقة بالعرش تقول: "من وصلني، وصله الله.. ومن قطعني، قطعه الله". كنت في انتظار حديث جديد.. "هذه الحلقة مُعادة".. حدثت نفسي بهذا بنبرة يعمرها الضجر. د

ومع كل ذلك، أو بين كل ذلك، كنت منشغلة بمفهوم العدل والقسط عند الله دون أمل في التوصل لحل قاطع جازم لأني أعتقد أنه سر من أسراره سبحانه. فكيف يكون عدله وليس كل من خيراً يعمل، خيراً يلقى في الدنيا؟! وكيف يصل بعض المتسلقون المتملقون دون العاملين المبدعين الحقيقين؟؟!! فقط، لأنهم وجدوا جوقة تقول آمين، وشخصاً مثل الملك "لـير" يحب أن يسمع ما يسره ولو كلّفه تمزيق أوصال أمة! وليس لأن الله منحهم سيقان رشيقة طويلة، فحافظوا عليها وزادوا من قدرتها بالسعي والجري؟! قطعت طريق الأسئلة على نفسي بتسبيح الله وترديد الشـهادة لأؤكــد لله، وهو سبحانه يعلم، أنني لا أتساءل تشككياً يا ربي، إنما تبجيلاً وتدبراً في عظمتك ليس إلا.. وأحلف به له.. والله العظيم يا ربي.

وبينما كان حديث الشيخ "الشعراوي" قد بدأ، انحنى ذهني بعيداً عن كل ما سبق، واتجه مبتسماً إليه. فكثيراً ما يستبد بي حبه، فأدعو له، أو أبتسم، وإذا جاء استبداد الحب أول الصبح، أرسل له رسالة "صباح الورد والشوكولاتة بالبندق". رغم أنه لا يفصلنا عن بعض إلا مواعيد العمل.
يطل عليّ من بين ثنايا قلبي وطفولتي بوجهه الهاش الباش وعينيه العسليتين.. أجمل عيون عسلية باسمة، وبطريقته المهللة في الرد على التليفون والترحيب. بلا ميعاد يطلّ.. وبلا سابق ترتيب يهلّ. يشق طريق الأفكار المتزاحمة في فكري كبدر يصرّ على الحلول رغم غشاوة الجو وركامات الغبار. د

أتذكر خلافاتنا الأولى حينما كنا صغاراً نتعلم سوياً العدَّ والخطَ وعلاماتِ الكتب، ونتشاجر على قلمي الرصاص. تريد أخذه بعد أن تقضم أستيكة قلمك الحمراء. ثم كبر الخلاف ولم تعد تسعه المقلمة وكراسة التسعة أسطر. ويالغرابتي.. فقد كان حول أنك تضحك كثيراً. والآن، ضحكتك المحببة هي أكثر ما أذكره في وجه العُبوس والأحداث المكفهرة! وفي أيامنا الشاقة التي كابدناها سوياً.. تصعد إليّ من غرفتك بالدور الثاني بالمستشفى لغرفتي بالدور الرابع لتراني بعد أن تجاهد لكي تخرج ابتسامتك من بين الضمادات والحزن والجروح والكدمات والوجع.د
لم أتوقف يوماً لأسأل إن كان يحبني مثلما أحبه، وينشغل بي مثلما ينشغل بالي وقلبي. فقط، يزعجني أنه يشرد أحياناً بنظره -فقط- أثناء الحكي فأتوقف متضايقة وأسأله عن آخر ما قلته لأرى إن كان معي أم لا. حتى توالت الأيام وصار بعض أصدقائه أصدقائي، وجائتني دعوات لمناسبات أعياد ميلاد وخطوبات وغيرها. يقابله الناس بالأحضان ويلتفون حوله، وينولني من فيض حبهم له وداً، وحباً في ظله وأسمع منهم: "ده بيحكي عنك كتير". د
أتذكر إحدى صاحباتي قبل أن تكون صاحبة وتعرف طبائعي ومكونات حياتي. كنا نتكلم في العموميات فلم يكن الخاص قد وُلد بيننا. علا صوت موبايلي بـ:
I wanna grow old with you
……………………………..
I wanna be there for you
Sharing everything you do
قالت إنها تحب هذه الأغنية رغم أنها لا تحب الأغاني الأجنبية بصفة عامة. ثم سألتني وهي تغمز: دي النغمة العامة ولا لحد معين؟ ابتسمت ابتسامة واسعة تملؤها الثقة وأنا أجيبها: طبعاً لحد معين.


********

في حفل التوقيع الأول، ارتديتَ الأزرقَ والجينز وجئتَ حيث لم أتوقع مجيئك لانشغالك وإرهاقك.. جئتَ.. لأجدك في كل مكان كلما أرفع بصري باحثة عن سند ودعم، أجدك أنت وأبي. تحاصرني ابتساماتك وتشيع داخلي الطمأنينة فتهدأ أنفاسي وأكف عن اللعب بلبيسة القلم. ينتهي الحفل، وينفض عنك أصحابي، نخرج سوياً، أمشي بجانبك فخورة بك. أكاد أن أشير لكل الناس عليك وأنا متأبطة ذراعك. فأجدك تهمس لي بأنك طاير من الفرحة.. وكلما مـررنا في الطريق على إنسان أو قطة تميل عليهم تمثيلاً فأعرف ما تنوي فعله. أحاول أن أسبقك فيختلط صوتانا الخافتان، تقول وأقول: دي دودو.. ده الباشمهندس.. ده حماده.. أختي.... أخويا.ربنا ما يحرمني منك يا أحب وأجمل أخ.


_______________________