Saturday, September 28, 2013

في دفترٍ وكسرة خبزٍ يابسٍ وبرتقال

في دفترٍ وكسرة خبزٍ يابسٍ وبرتقال




في غرفة الاستجواب كان يجلس منتفخاً، مسنداً ظهره إلى الكرسي، رافعاً رأسه بزهو زائف. وأمامه، يقف شامخاً "شموخ الشمس" رجل أسمر اللون، بعينين بنيتين حادتي النظرة. يقول إنه عامل في محجر، ولديه ثمانية أطفال، ووالده لم يكن من عـِلية القوم بل من أسرة المحراث! د

هكذا رسم لي خيالي الصغير ذو الثلاثة عشر عاماً حينما أغراني كتاب ضخم بلون غلافه النبيتي كانت أمي –رحمها الله- تقرأ فيه. فانتهزت فرصة قيامها وقلبت صفحة وقرأت قصيدة للشاعر والمناضل "محمود درويش" وحين وصلت لآخرها عدت لأولها لأعرف اسمها وأقرأها مرة ثانية.. قصيدة "بطاقة هوية". وأصرّ خيالي على السيناريو وظلّ يضيف إلى المشهد تفصيلة صغيرة كلما زاد عمره عامين على الثلاثة عشر عاما! ومع أني أعترف أنني لست من هواة -ولا حتى محبي- القصائد الوطنية ولا الأغاني الوطنية، وإذا سمعتها فتكون مرة واحدة من باب الفضول فقط، إلا أن قصائد "محمود درويش" زودتني بتنويعات مميزة لفكرة ومفهوم الوطن. وأرتني فيها لون البرتقال، والريحان، والطواحين، ورغيف عيش، وشواهد القبور. فأبعدتني عن الفكرة الجافة والتي تتخذ من الشعارات والجمل الإنشائية الصريحة سبيلاً. وصرت ألجأ إليها كلما خذلتني عروبتي وكلما اشتقت إلى وطن.

تتخذ القصيدة عند "درويش" من فلسطين بيتاً، ومن الزيتون أكلاً، ومن الكوفية -الشال الفلسطيني- زياً. يراها في المواقد والشموع، وفي أغاني البؤس. يراها وفيّة كالقمح الذي يحبُّه أكثر من الورد. واستطاع الشاعر الفـذ من خلال صوره البديعة والموجعة أن يجسد لنا معنى الوطن بأن يتقمصه مرة كما في "بطاقة هوية"، وأن يغترب عنه ويتوجع كما هو الحال في "رسالة من المنفى".

ففي "بطاقة هوية"، يقدم رجلٌ فلسطيني بيانات بطاقته التي تعدت الاسم والعنوان إلى الملامح ولون الشعر والعينين، والملبس. وهو عامل في محجر يسكن كوخاً في قرية منسية وله كف صلبة، يكسب قوت يومه من الصخر والصبر وليس من العتبات. وبعد أن ينتهي من كل فقرة، يقول لمـَنْ سلب أرضه أن يسجل أنه عربي ويسأله: "فهل تغضب؟!" و"هل ترضيك منزلتي؟".

لم يقل إنه كريم المحتد، ولا إنه باني المجد، ولا إن جده أول من اخترع العجلة والكتابة المسمارية، ولا إنه يسكن القصور. وتجنب استخدام الأفعال التي تعبر عن العاطفة "أحب، أهوى، أكره" وأي صياغة على شاكلة "بلدي هي أمي"! كما أنه لم يجمّل الحياة فيها فيصورها أم الدنيا أو يستخدم التشخيص فتكون أجمل نساء الدنيا. بل إنه يستعجب في "عاشق من فلسطين" لماذا رغم كل ذلك التعب والترحال والملح، تبقى دائماً خضراء؟! ويراها في نفس القصيدة:

عيونك شوكة في القلب
توجعني.. وأعبدها
وأحميها من الريحِ
وأغمدها وراء الليل والأوجاع.. أغمدها
فيشعل جرحها ضوء المصابيحِ
ويجعل حاضري غدها
أعزّ عليّ من روحي 


أما "رسالة من المنفى"، فلم يذكر الوطن، ولم يتطرق إلى عروبته وهويته، أو يحكي عن أسطورة أرض يموت فيها الشباب ويذوب الحجر ويعمر الشجر. وهو ليس كرجل "بطاقة هوية" له عنوان ومكان، ويفخر بأن جده الفلاح علّمه شموخ الشمس قبل قراءة الكتاب. بل غريب يغسل الصحون، ويصنع القهوة ويلصق الابتسامة فوق وجهه للزبون. قد يداهمه المرض يوماً فيدفن في غابة صفصاف لا تعرف أنه إنسان، ولا تحمي جثمانه من الغربان. يكابر الوحشة، والاغتراب، ويقول رغم كل ذلك إنه بخير!!د

تحيّة.. وقبلة
وليس عندي ما أقول بعد
من أين أبتدي؟ وأين أنتهي؟
ودورة الزمان دون حد
وكل ما في غربتي
زوّادة، فيها رغيف يابس، ووَجـْد
ودفتر يحمل عني بعض ما حملت
بصقت في صفحاته ما ضاق بي من حقدْ

يحمل وطنه داخله وإن لم يبدُ ذلك جلياً في القصيدة. ويتسع معناه حتى لا يكتفي بالحدود السياسية المتعسفة ولا المتعارف عليها، فيشعر كل عربي به حتى وإن كان يعاني حنيناً لوطن، ويعيش غريباً في بلد تنكر نسب أبنائها. 

وبسؤاله لأمه في الرسالة عن أخواته، وجدته، وأبيه، وكل مفردات حياتهم، يخلق "محمود درويش" فراغاً مكانياً ووجدانياً في ذهن قارئه. فراغ على الضفة الأخرى من الغربة.. فراغ لا بد أن يملأه وطن. فلا يكون منا -كقراء- إلا أن نتخيل هذا الوطن لنخرج بصورة أكثر وجعاً من غربته، يؤكدها كل مرة بقوله: "سمعت في المذياع" 
  "ولا خبر"!!د

قصيدة رسالة من المنفى كاملة 

2 comments:

rainbow said...



ماذا الآن !!ه
هذا الصوت الجديد : صوت النقد بسلاسة ونعومة لا تجله مزعجا كأي نقد قرأته
انه نوع من المُصاحبة للقاريء والكاتب معاً وكأنكِ تعيدين اكتشاف النص الذي تتحدثين عنه دونما محاولة لاثبات شيء فقط كأنكِ تقرأيه معنا وتشاركينا فكرك بصوت عال

احببت كلماتك بنفسجتي
احببت حبي لدرويش وانفتحت شهيتي لأعيد قرائته

محبتي ♥

Doaa Samir said...

لن تصدقي أنني نسيت هذا المقال لولا أن أعاد نشره شخص ما اليوم لا أعرفه وذكرني في نشره!! ما حرمني الله من حضورك الثري يا هدهد
♥ ♥