اتكأ على جانب السرير فلم يسع السرير قامته الفارعة، فهو ما شاء الله أطول أخواتي. بصيت عليه سريعاً وأنا مارة في الصالة
تركته مع نفسه قليلاً فشكله يوحي بأنه لا يريد الكلام
لم أستطع تركه هكذا فدخلت وجلست بجانبه أنظر إليه بدون كلام
عدّل جلسته ورفع عينيه متثاقلاً
ابتسمت
رد الابتسامة بدافع الواجب والاحترام
مالك يا ميدو؟
رفع يده بإشارة لامبالاة حادة
سكت وأنا عمالة أبحث عن خيوط ملونة ومتعددة للكلام لأخرجه مما فيه بعد أن أعرف أولاً ماذا به. فالحديث مع أحمد أخي -الذي سيكمل العشرين الشهر القادم- في تلك الحالة ليس بالأمر الهين، ومعرفة ما به من أصعب الأشياء لأنه كتوم لأبعد الحدود وحتى إن أراد أن يبوح لي فقد لا تسعفه الكلمات.. وأحياناً يقول لي: يا بخت الناس اللي بتعرف تحكي وتفضفض!د
تركت السؤال عنه ولم ألح عليه.. وبدأت أحكي له عن أحداث شغلي في ذلك اليوم، وحكيت له مين اللي جاء المجلة، ومين اللي كتب مقالة حلوة، ومين اللي تصرف تصرف مش لطيف، وما أكلنا في البريك... وحكيت له عن مقال إبراهيم عيسى "مصر تتصل" وقرأت له منه السطرين اللي فيهما الإفـّـيه... فانفرجت أساريره بربع ضحكة ساخرة
فضلت أرغي وأخلّق الكلام والحواديت وهو سامع وساكت ومبتسم ابتسامة غلبانة ومستسلمة..
قلت له: هو أنا هفضل أحكي كده مع حالي؟! احكي لي بقى حصل لك ايه النهاردة، وايه اللي مضايقك؟؟
قال لي: أبداً مخنوق
قلت: أنا كمان مخنوقة بس مش عاملة أزمة... وبحاول أتعايش مع اللي خانقني. بس الأول أحدد ايه اللي خانقني وخانقني ايه وأنا ليّ يد ولا مش ليّ وأعمل فيه ايه
قال: مخنوق وخلاص.. الواحد نفسه يعمل كذا حاجة ومش عارف.. الحياة بقت زبالة!!د
قلت له: إنت ذكي يا ميدو... بس معلش.. اللي حصل من تقصير وإهمال منك في الدراسة مش هيتكرر.. المهم، إنك تعرف إنت قصرت في ايه وتقارن بين نفسك قبل كده ودلوقت.
عارف يا أحمد، إنت لو تسمع كلامي وكلام بابا والله هتعمل حاجات زي الفل... يعني أنا بشوف فيك فنان بس معطل.. يعني مش بذمتك لما نكون بنتفرج على حاجة في التليفزيون أو نشوف حاجة جميلة مع بعض، مش إنت الوحيد اللي بتاخد بالك معايا من غير ما أفضل أوصف وتطلع عيني في الشرح زي ما بيحصل مع محمد وعمرو؟؟
ضحك ضحكة أوسع وهو يتذكر طرائف محمد وعمرو أخواتي التانيين، وتعابير البَـلَه اللي بيمثلوها لما أتكلم عن أشياء جمالية في الكون.
بدأت شبابيكه تتفتح ببطء شديد وتردد...
قال لي: أنا نفسي أعمل مشروع بوتيك ورد... وهيكون تصميمه كذا وكذا... ونعمل فيه كذا وكذا.. مش هيكلفنا حاجة بس المشكلة بس في إيجار المكان... أنا مش عايز أأجر محل لأني هعمل المحل بنفسي.. أنا هأجر مكان بس.. وبعدين الحي السابع (6 أكتوبر) بقى زحمة... والواحد الأول عليه إنه يختار مكان عمران وقريب من المول الفلاني
فرحت إنه بدأ يفك.. لكن فرحتي لم تكمل لأنه رجع تاني لحالة الملل والخنقة ورجع بظهره للوراء كما كان... وعلى وجهه كل علامات الأسى المترسبة من زمان
دمعت عيناه
عرفت ايه اللي دار في ذهنه ساعتها!! ومسكت دموعي بالعافية لأني أنا الأخرى كنت على الحرف.. وتظاهرت بعدم التعاطف. حدثته عن ماما الله يرحمها بصوت محايد وكيف ستكون راضية عنه لو رجع أحمد بتاع زمان ولو فكر صح واجتهد شوية
قال: بس.... عارفة.. عارفة يا دعاء لو الواحد يبقى.... ــــــــــــــــــــــــد
شجعته يكمل ويقول..
ضحك...
قال: لو أمسك رئيس مصر
ضحكت...
رفع يديه وكأنه يقول: طنشي..
قلت له: هاااه... لو تبقى رئيس مصر ايه اللي يحصل؟؟
قال لي: أنا بهيـّس
قلت له: وماله.. تعالى نهـّس مع بعض
بجد.. لو بقيت رئيس مصر تعمل ايه؟
رجع ميدو تاني المتحمس المتقد صاحب أذكى وأجمل وأطيب عين بنية شفتها في حياتي...
بصــّـي
أول حاجة، هنسف كل المدارس وأعيد بناءها من جديد.. وهازود عدد المدارس والفصول.. وفي الأول، هدّي للمدرسين فلوس كتير وهعمل عقاب للمدرس الفاشل والمقصر، والزي والكتب هيكونوا على حساب الدولة.. وهعمل رحلات كتيرة تعليمية وفسح.
تاني حاجة، هعمل مصانع الكترونيات وسيارات وأجيب خبراء أمريكان ويابانيين وبعدين أطردهم... أنا أضيق عيني استغراباً فيضحك.. مش قصدي أطردهم يعني.. هدّيهم فلوسهم وأمشيهم بعد ما أعرف منهم كل حاجة وبعدين أنا أطور على كيفي بقى. وكمان هعمل محطة فضائية لينا وأقمار صناعية بجد..
سكت شوية وهو يفكر... لم أشأ أن أقطع حبل أفكاره أو حتى أساعده
كمّـل وقال: لازم يكون فيه عدل..
سألته ازاي؟
قال لي: الناس الفقراء هدّيهم محلات في المدن الجديدة وأجهزها لهم عشان يشتغلوا..
سألته: اشمعنى المدن الجديدة؟
قال لي: عشان الزحمة
وهنضف الشرطة كويس أوي، وأدهن الأقسام باللون الأسود.. وهيكون عندي جيش محترم، وفيه أسلحة ثقيلة ونووية وبيولوجية وكده بس من غير ما حد يعرف عشان لو أمريكا أو أي حد قرّب أو عمل حاجة يلاقيني مش سهل!! وهالغي التلات سنين بتوع التجنيد
والمستشفيات بقى، هاظبطها وهاخليها زي مستشفيات السعودية نظيفة وحلوة.. والعلاج هيكون بفلوس للأغنياء بس. وهشيل العربيات الكارو دي وأجيب سيارات إسعاف مجهزة.
سكت وهو يدور بعينيه بخفة دم في السقف والجدران مروراً بي
والمدن.. المدن هاعمل فيها عمايل!!د
سألته: هتعمل ايه؟
بصي.. أولاً في المناطق العشوائية... هاعمل مسافات بين البيوت عشان الهوا يدخل
قلت له: طيب ما هي البيوت في المناطق العشوائية لازقة في بعضها
فقال لي: إنتِ مش واخدة بالك... ما هو أنا هاهدّ بين البيوت اللي لازقة في بعضها... وهاسفلت وهازرع بينهم.
الناس بقى اللي هديت بيوتهم هانقلهم في مدن جديدة..
هطوّر كل المدن الجديدة وهاخلّي الأبواب في وش بعضها.. يعني كل كم عمارة هيكونوا في وش بعض وهاسكّن فيها الناس..
سألته: ليه الأبواب في وش بعضها؟
قال لي: عشان الناس في المدينة مش بيعرفوا بعض.. وأنا عايز أخليهم يعرفوا بعض..
وكمان هعمل صرف للزبالة تحت الأرض
هازرع كل الشوراع وكل ميدان هازرعه بجد.. مش أحط أصائص زرع وخلاص. وهاطهـر النيل بالفنيك!! وهاصلّح الساعة بتاعة جامعة القاهرة... وهشيل علم إسرائيل من فوق البرج اللي قصاد الجامعة.. أصلاً، مش هيبقى فيه سفارة ليهم عندي.. وهقاطع أمريكا ومش هستورد قمح من عندهم... وهعمل جسر بين مصر والسعودية عشان الحج وكده..
وعارفة كمان، هعمل ملاعب كويسة... وهحضر الماتشات وأقعد مع الناس بالتيشيرت بتاع اللاعب اللي بحبه ومش هيبقى فيه مقصورة.. وكل ما الجمهور كان كويس ومحترم، هدّي له هدية....
سكت... وبرق ليّ بعينه كالأطفال...د
ضحك وضحكت وأنا سعيدة به ومتأثره لأني أعلم أنه في ذروة الكآبة وقلت له: تصدق كلامك يستحق إنه يتكتب وكنت بالفعل بدأت أدوّن وراءه كل نقطة تكلم فيها..
قال لي مستتـفهاً ما قاله: سيبيكي... أنا مخنوق وبهيّس.. !!د
قلت له: لأ.. والله بجد يا ميدو... إنت تقريباً حطيت إيدك على أزمات كتير مخلية الحياة زبالة زي ما بتقول...
أحمد أخويا هو رقم 3 بعدي وبعد الباشمهندس محمد
أحمد خد امبارح "لائق" في الجيش بعد ما عملنا له "لجنة تظلّم".. وضيعوا أشعة ذارعه اللي تثبت إنه مكسور كسر شديد من ساعة حادثة ماما اللي يرحمها.. وكمان تبين المسامير اللي لسه جوه!!د
مش قادرة أتخيل إنك تروح الجيش يا أحمد
مش ينفعك... ولا إنت سهل الانقياد.. وبعد الكلام ده بالتحديد مش ينفعك.
مش قادرة أتخيلك هناك وإنت نفسك عفيفة وعندك عزة نفس تخليني مش أأمرك ولا أنهاك مباشرة.. وأنا أختك اللي بتموت فيك وبتحبها فما بالك بالغريب؟!!د
يارب محاولات بابا النهاردة تنفع يا ميدو قبل ما تاخد الجواب وتعرف السلاح
مش قادرة أتخيل إني أرجع البيت وأنا عارفة إني مش هشوفك إلا بعد كم أسبوع...
وامبارح لما رغيت معاك لحد الفجر مش كنت قادرة أصدق.. مع إنك كنت سلّمت أمرك لله بعد ما اتضايقت شوية وقلت –كبرياءً- أنا خلاص هادخل الجيش وهابقى كويس.. وأهي تجربة وأعيشها...
بدأت توحشني يا حبيب قلبي قبل ما تروح.. ويارب ما تروح