تسير بنا سيارة أستاذ "أحمد عمار" من القاهرة إلى المنصورة، تحيطنا الغيطان وأبراج الحمام وأبو قردان وقنوات الري. تستغرب نور ابنة أحمد الصغرى ما حولها فتغط في نوم متقطع. ونتبادل أنا وأحمد وزوجته وأخي الحديث حينا ومتعة الشوف والغناء حيناً.. يعلو صوت الكاسيت بموسيقى توقفنا عن الكلام. أنظر في عينيها وتنظر في عيني.. تسألني: د
عارفة دي أغنية ايه؟؟
أيوة.. أيوة.. ثواني.. أفكر.. أتذكر.. أتهلل.. أنا كنت عيدك
صح..
أعرف أنها إبداع "جمال بخيت" لكن لا أعرف أنها ألحان فاروق الشرنوبي وتوزيع ياسر عبد الرحمن وأنها كانت في ألبوم واحد مع أغنيات "انكسر جوانا شيء" و"لما الشتا يدق البيبان"! يبدو أنه كان ألبوم قوي جداً وعمل ضجة يا أستاذ أحمد.. يا بخت الناس اللي كانت شابة سنة 1989 عام صدور الألبوم. يخبرني أ/أحمد وللغناوي رصيد في حياته وديوانه وهو من محبي علي الحجار أنه علاوة على روعة الألبوم، كانت كلمات الأغنيات مكتوبة على الغلاف وهي سابقة من نوعها.. ضحكنا جداً.. د
أنخرط أنا وزوجة أحمد في الغناء: د
د"أنا كنت عيدك.. تنقص نجوم السما أزيدك.. الفجر يغرق آخد بإيدك.."..د
كان من المفترض أن تكون المساحات الخضراء التي مررنا بها في الطريق إلى المنصورة كفيلة بإفاقتي من غبار القاهرة الذي سكن في أنفي وألهب جيوبها مؤخراً فأصابني بصداع أثـّر على عيني بالطبع. وكان من المفترض أن تقوم المشاهد الريفية النادرة بضخ روح طازجة في نفسي.. لكنها لم تفعل.. أو ربما أنا لم أستجب وهو لم يحدث من قبل. تتابعني هبة المنصوري وحسام ليعرفوا أين نحن.. وتصلني رسالة رقيقة من سارة زهرة التيوليب تحمل أمنياتها ودعواتها الجميلة. وأنا لا أزال أعاني من الصداع الحاد. ومحمد هشام يتصل ليعرف كذلك أين نحن.. احنا فين يا جماعة؟ احنا عند بلد الشيخ الشعرواي.. طيب لما توصلوا لبلد أنيس منصور كلمونا. أتصل بهبة.. هاتي لي معاك مسكن يا هبة بليز.د
ندخل المنصورة.. نحازي المشاية وصولاً إلى جزيرة الورد. نركن السيارة ونصل مشياً لمكتبة بوك آن بينز.. تكاد الرؤية تنعدم في عيني وتزداد الألوان قتامة. أبحث في شنطتي عن قلمي البنفسجي الذي أحضرته للتوقيع.. أبحث.. أستغرب أنني أحضرت الأزرق بدلاً منه. أمسكه لأكتب به وأسأل حنين ابنة أحمد ده لونه ايه يا توتة؟ فتخبرني أنه بنفسج! د
د..الفجر يغرق آخد بإيدك.. أجمع سواد الألم في عيني.. وأصب نهر الهوى في وريدك..د
كنا أول الحضور.. وصلنا قبل أهل المنصورة الجميلة التي أزورها زيارة عاجلة للمرة الثانية. ثم يتهافت الناس.. هبة.. حسام وأسرته وولي عهده مصطفى الذي أراه لأول مرة.. محمد وأسرته.. وآخرين لا أعرفهم يشع الود والبشر من وجوههم المنصورية. وتبدأ الحفلة.. يقودها أ/ أحمد بجدارة كما اعتدنا منه دائماً. أتشتت بفعل الكسوف والصداع والضوء. أوزع بصري على الحاضرين.. أحاول أن أتشجع حتى لا أقع مغما عليّ.د
أنا كنت عبدك في عز ضعفك.. وكنت يوم التجلي سيدك.. د
يعلن أ/ أحمد أنه بما أنه لا يوجد بنوتة إلا دعاء اللي هي أنا فلايديز فيرست.. د
يا خبر! طيب أنا مش ليدي.. أنا يانج-ليدي..دويناولني أحمد الدفة فأتوه عن يدها ولا أمسك بها! د
تموت آيات النغم في حلقي.. أنطق بسر الحياة أريدك.. د
تكتب سنين الخلاص نهايتي.. أنطق بسر الوجود أعيدك..د
بلعني سكوت غريب بعد أن قلت جملتين غير مترابطتين. ويسلوني أن كل الشباب أجادوا الحديث بما فيهم محمد الذي قال إنه لا يجيد الكلام. لكنه أجاده بطريقته وأشاع بهجة توازي خفة دم حسام ليحدث التوازن ويغطيان مع ثقل أحمد الهنّة التي بدرت مني. وينضم إلينا الرجل الطيب الكريم د.بستاني.
ينتهي الكلام.. وأستفيق أخيراً حيث شممت رائحة البلد في المكان؛ فأكواب الخروب والكركديه الرقيقة تدور علينا، والأسر تحيطنا، والود البلدي الجميل يغمرنا، وعمو هشام والد محمد يشجعني ومع كلمات التشجيع خمسة جنيه! فكل حبي لكل من حضر وكل من وقف لأوقع له. وشكراً لأصغر قارئة وقعت لها وهي في الصف السادس والأكبر منها قليلاً في الصف الأول الثانوي.. شكراً لعين مروة الجميلة وياسمين وهما تتابعاني بابتسامة جعلتني أتشجع وأكمل رغم الرهبة. وشكراً خاص لنور وحنين وحضن طنط مامة حسام. د
تودعنا الجماهير بعد محاولات عديدة لاستضافتنا وقضاء الليلة في بيوتهم الرحبة. ونخرج من المنصورة محملين بحلوياتها الباورنية وهدية لي من هبة الجميلة فيها من الحب بلون البنفسج. د
وإذا نسيتِ هاكون نهايتك.. وإذا وفيتِ هاكون شهيدك