Monday, March 26, 2007

وكأن الروح لا........ د



وكـأن الــروح لا تبــرح جسـدي تماماً أثنـاء النــوم.. وتكتفـي بالطفـو فوقـه والحـوم حـول وعـيي وقـلــبي..! د


في جوف ليلة الأمس.. تقلبت في نومي الخفيف، والتقلب يلازمه أن أفتح عيني لأرى كيف حال الليل، وإلى أي ساعة سرى. ولأتأكد من أن
إخوتي -المحبين للنوم في العتمة- تركوا لي بصيص الضوء كما أريد ولم يستغلوا نومي ويطفئونه. ولآخذ رشفة تدفئني من التلاوات والتواشيح التي تبثها إذاعة القرآن الكريم

تقلبت فصرتُ في مقابلة مع الليل، وغرفتي، وأشيائي فيها. ومن فرجة الباب، أحسست بحركة عابثة في الصالة.. فتحت عيني تماماً وتسحب بصري على أطرافه حتى رأيت طرف ستارة شباك الصالة وهي تطير وتتماوج وتلمس كل شيء في محيطها، فتصدر أصواتاً كالحفيف حيناً والفحيح حيناً آخر!
د

دبّ الاستيقاظ في كل حواسي فقمت من السرير. وبمجرد ما تخطيت عتبة غرفتي، تناهى إلى سمعي أصوات للشتاء شجية قوية، وكأننا في ديسمبر أو في يناير؛ ووقع هطول المطر، وصفير هامس لريح باردة

توضأت ونويت الدعاء والصلاة..
د
والمطر لا يزال ينهمر..
د
والشتاء لا يزال يحكي بالماء، والهواء.. وكأنه في كامل عنفوانه.. وكأنه لا يتبقى شهر ليلم متاعه ويرحل حتى يحــلّ الربيع والتراب! د

لففت حولي الروب جيداً وفتحت البلكونة لأمتع ناظري بالشتاء وسكون الليل
كان الشارع يغطّ في نوم ثقيل. والبيوت -على غير عادتها- ساكنة لا تحكي، ولا تشي بأي حياة. تجاهلتهم ومددت بصري للسماء لأرى ينابيع المطر


لم تكن السماء مثل الأصوات التي وصلتني في الداخل؛ عفيّة، نشيطة، (صابحة)... بل كانت ثقيلة، هامدة، ومتشحة بدرجة غريبة من اللون الأحمر. ليست درجة الخطر، أو الغضب، أو العدوان، أو حتى الحزن الخالص..
د

بل درجة التعب.. فبدت مثل فلاحة متعبة شاحبة الجمال، أمام فرن بارد لا يخرج منه رغيفُ عيش!! د

ــــــــــــــــــــــــــــ

Friday, February 09, 2007

حدوتة من الحواديت

(ــِ)
كـسـرة!! د


خرجت لا أنوي على شيئ غير الوصول إلى عملي الذي يبعد عن قريتي عشرات الكيلومترات، أقطعها بالقطار، حيث أنني كنت أقضي أجازتي مع أبي وأمي وعليّ أن أعود لعملي. أنتهز فترة الصبح في القراءة أو ممارسة متعة الشوف لأمتلئ بالخضرة والهواء المنعش الذي سأستنفده في المدينة حتماً. شدتني رواية "تلك الأيام" لـ"فتحي غانم" ودرتٌ مع بطلها "سالم عبيد" المؤرخ الذي يبحث عن تاريخ ليكتبه. أخذتني أنا والوقت فلم أشعر إلا بصفارة القطار تنطلق في محطة مصر، معلنة الوصول.

وصلت أولاً، وغالباً ما أصل قبل الجميع مع أنهم من سكان القاهرة! مساكين... كيف لهم أن يستيقظوا بدري وهم لا يهنأون بنور النهار ولا بظلام الكون بالليل المريح للأعصاب؟! وكيف لهم أن يصلوا بدري وعليهم أن يجاهدوا يومياً ذلك الكائن الأسود الرابض في سماء مدينتهم وحياتهم، الذي يغشى الأنوف ويملأ الحلوق والأبصار؟!؟ د

أسعد دائما بتلك الدقائق التي أقضيها وحدي والمكان لا يزال ناعساً هادئاً. أطلب قهوتي فأستمتع برشفها غير آبهة بزميلي الذي يجلس بجانبي -فهو لم يصل بعد- ولا يطيق رائحتها ويفسد عليّ متعة شربها بالتأفف، فأسرع في ارتشافها وتحرقني سخونتها في الجوف. وأنتهز الفرصة لأدير ما أختاره من موسيقايا في الهواء بدون سماعات تحبس صوتها في أذني، لأصحّي بها المكان وأنعشه قبل أن يأتوا. فتصطدم بالسقف وتنزل على الأرض السيراميك بعد أن تلامس الجدران الملساء وتتجاوب مع بعضها. وأستفتح شغلي متبركة باسم الله.

يبدأون في التساقط تترا.. أحب معظمهم، فأبادر من أحبهم بالتصبيحة "صِباح النوووووووووور". مع أنهم هم القادمون ومن المفترض أن يلقوا عليّ أمنياتهم بصباح جميل، وخير، وفـُل، وقشطة، كلٌ حسب طريقة تصبيحته. لا أسلم من تعليقاتهم اللطيفة أحياناً والثقيلة في أحيان أخرى على اللكنة التي أنطق بها التصبيحة وأغلب كلامي، نظراً لأني من ريف الأقاليم. تلك اللكنة التي تظهر قوية جداً ولا تخطؤها الأذن في المدّات التي تميل لحركة الكسر.. غالباً ما أضحك معهم على نفسي، وأسخر من تلك الكسرة المحببة لهم التي تلازم معظم كلامي، بل وأحياناً أسمع منهم كيف ينطقون الكلام مفتوحاً كما ينطقه أهل القاهرة وأضحك. لكن في أوقات كنت أختنق منها.. من تلك الكسرة.. وأسألهم: "أمال بتقولوها ازاي؟" وأحاول جبر الكسور لتصير فتحات.

طالت مدة شغلي في العاصمة القاهرة.. لماذا سموها "عاصمة"؟! العاصمة تتناسب مع طبيعتها القاهرة؛ تقهر ما خارجها لتعصم ما بداخلها. لكن هل يتضمن الاسم مفارقة من كونها لا تعصم أبداً؟ كيف تعصم وهي مليئة بلحوم بيضاء وحمراء و-أحياناً- سمراء تتناثر على كورنيش النيل وفي وسط البلد وأقل ثمناً بكثير من اللحوم التي يعلقها الجزار والفرارجي وبياع السمك؟ هل عصمت أهلها من الحاجة؟ وهل عصمتهم من الهـمّ والحزن والتعب؟ وكيف تعصم والأنوار المبهرجة تنسكب في سمائها وتخطف كل بصر لم يعتد سوى الضوء الرباني؟
طالت مدة شغلي في القاهرة.. وبعد أن كانت أسرتي رافضة تماماً فكرة الإقامة في المدينة، وبعد أن كنت أقضي ربع يومي وأنا عابرة سـُبل، اعتاد أبي وأمي على ابتعادي عن البيت، وقلت المساحات المشتركة بيننا، ووثقا في أني بنت جدعة فسمحوا لي بالإقامة مع خالتي الوحدانية، بعد أن هاجر ابنها وتزوجت ابنتها وفارقها زوجها لحياة أخرى.
صرت أفهم كلام أصحابي من أهلها.. كلامهم مختلط لا رائحة له، ليس مثل كلامنا الذي أشـمّ فيه رائحة الغيطان، والطينة، ومياه الري. لكن له طعم مميز لم أجد له وصفاً حتى الآن بعد قضاء ثلاث سنوات في القاهرة! وصرت أعرف القوائم بالأسعار في المطاعم والكافيهات التي لم أكن أراها إلا في المسلسلات، كنتاكي، وبيتزاهت، وهارديز، وسيلانترو، وبيكري... وغيرهم كثير. وصرت أعرف الماركات وأستطيع الاعتماد على نفسي في السير والشراء. لكنني لم أستطع التخلص من الكسرة التي تكسر كل كلامي.. مع أني، والله، أعرف كيف أتحدث.

طالت مدة عملي في القاهرة، وتكونت لي دوائر فيها واتسعت.. دوائر من الأماكن، والأسامي، والأحداث، والأرقام، والوجوه. وأصبحت الأوقات التي أختنق فيها من كسرتي، تزداد امتداداً كلما قضيت يوماً هنا.. وتتقلص قليلاً كلما رجعت لقريتنا في آخر الأسبوع. حتى كان ذلك اليوم الذي كنت أتحدث فيه أمام قادم جديد على الشغل وخرجت مني لفظة مكسورة "قـِريت في الدستور إن...."، ولم يكن يعرف هذا القادم أنني لست قاهرية، فأطرق السمع ومال ناحيتي وهو يقول: "...... ايه ف الدستور؟؟" فضحك أحد أصدقائي الأعزاء وقال فيما يشبه الاعتذار: "معلش أصلها مش من هنا"..د
فقررت أن أجبر كل كسور كلامي.

صرت أفكر، وأنتظر أكثر قبل أن أنطق بأي كلمة. بل أصبح من الممكن أن أسأل أصدقائي كذا مرة في الجملة الواحدة عن الكلمات المشاركة في تكوينها: "هِي بتتنطق مفتوحة ولا مكسورة؟".. بدأت محاولاتي تحصد ثمارها شيئاً فشيئاً. لكن على الرغم من إن أغلب كلامي صار يميل للفتح والاتساع، قلّ معدل سرعتي في الكلام وتدفق أفكاري عن الأول. ومع أن الكسور اختفت تقريباً من نطقي، إلا أن الجمل تخرج أحياناً مكسورة. قلت أكيد فترة وتعدي لأني كأني أتعلم لغة جديدة.. ويلزمني مدة حتى أتأقلم عليها وهي نفسها تركب عليّ.

زاد تعودي على الفتحة، وانكمشت فترة التفكير التي كنت آخذها للتأكد إذا كان ما أهـمّ بقوله مفتوحاً أم مكسوراً. سعدت بهذا الإنجاز الكبير الذي يفوق كل ما قمت به في عملي ومجالي في السنوات الثلاث.. لولا ذلك الاختناق والثأثأة اللذان أصابا تكوينات كلامي، ولولا ذلك الضيق الذي يسحبني لتحت كلما نسيت وسحبت الفتحة لتحت فتصبح كسرة. لكن سعادة أمي كانت مكتملة، وكانت تتباهى بي أمام إخوتي الكبار وأختي المتزوجة: "شوفي البنت بقت بتتكلم ازاي؟؟ زي بتوع مصر"، وتضحك وهي تنظر لأبي الذي أجد على وجهه تعبيراً لا أفهمه. لم يشاركها أبداً سعادتها بقاهريتي الجديدة.. شاركها فقط ملاحظاته على تغيّر كلامي.. ملاحظات متحفظة.

تفتح كل كلامي.. ولم يعد أصحابي مضطرين للتعليق، والضحك، أو الاعتذار لكل غريب يسمعني ولا يدرك أنني من محافظة أخرى. وحلّ مكان تعليقاتهم اللذيذة أحياناً والثقيلة في أحيان أخرى، نظراتُ تتراوح بين الإعجاب، والعِشرة، والتساؤل. تطمئنني نظرات الإعجاب والعِشرة، التي تأتي منهم كلهم، متبوعة غالباً بإنهم يقولون لي: "ده إنتِ خلاص بقيتِ زينا تمام".. لكن تلك النظرة التي تباغتني من زميلي الذي يتأفف من رائحة قهوتي الصباحية، تشعرني بالغربة وأشياء أخرى تكاد تدفعني لأسأله لماذا ينظر لي هكذا.. لكني أخاف من الجواب الذي لا أعرفه! د

لاحظ أبي الرجل الجامعي الذي رفض أن يترك بلدته، تلعثمي والكسور التي أصابت تكويانتي. واكتفى بالإشارة لأمي: "آدي اللي عمالة تتمنظري بيها وتقولي إنها بقت زي البربند"!! لكنني لم أهتم، وأصررت على ألا أتخلى عن فتح كلامي حتى وأنا أقضي معهم أجازة آخر الأسبوع، أو الأعياد. أصررت لأني أعرف أن المسافات ستقل بيني وبين القاهرة ولن أقضي ربع عمري وأنا عابرة سـُبل.

** ** ** ** **

خرجت لا أنوي على شيئ غير الوصول إلى عملي الذي يبعد عن بيت خالتي بضع كيلومترات.. وصلت وكانوا هم قد سبقوني في الوصول، صبـّحت عليهم: "صباح الخير".. فباغتني زميلي الذي لا يحب رائحة القهوة:"الله يرحم صِباح النووووووور.. راحت فين؟"د
انخرطت في الضحك معهم وهم يتذكرون كسراتي.. ضحكت لأداري كسرة أصابتني بغصة في حلقي وألجمتني عن الكلام.
استفتحت شغلي باسم الله. ولم أطلب القهوة مراعاة لزميلي الذي باغتني.. وبالطبع اكتفيت بحشر أذني في السماعات لأسمع فيروز وهي تغني للدنيا حتى تشتي.. أنا أيضاً نفسي الدنيا تشتي، وأحب المشي فيها وهي تشتي. نظرت للسماء متمنية أن تشتي لعل المطر يزيل ما ألجمني، وتلك الثأثأة الغائرة في روحي. صعدت إلى آخر نقطة في قلبي.. تلك التي تدخل منها الروح والحب وتسكن فيها الأسماء والذكريات. ولفّني حنين غير مبرر مجهول المصدر، غير مرتبط بمكان وخارج حدود الأزمنة.

جاء الوقت المخصص لتناول الإفطار.. لم آخذه واستمررت في الصعود حتى وجدتني في جبهة السماء. تكتنفني بلونها وسحبها المخملية الناعمة. تتغلغل خيوطها داخلي وتصبغني بنفس اللون ونفس الدرجة.. تلك الدرجة التي ينتهي إليها البصر في آخر العيون الزرقاء ويبدأ بعدها الأفق في البحر.
التفوا حولي وسألوني: "مالك"؟ وألحوا عليّ في السؤال. لكن لجامي لا يزال معقوداً..

ومضى اليوم وزميلي يتأفف.. ليس من رائحة القهوة.. بل من صمتي. ولما فاض به الكيل، دفعني بصوته الأجش:
مالك؟
انتبهت وهرعت مجيبة إياه: د
إصلي قـِريت موضوع ف الـ......... د

**************

Monday, January 22, 2007

على أول "ــــــــــــــــــــــــــــــــ" د

على أول "ـــــــــــــــــــــــــــــ"... ســــطر


بعد منتصف ليلة من ليالي أحد شهور مارس التي تأتي كل عام في الخانة رقم ثلاثة.. كنت مللت من المذاكرة فجلست أقرأ بعض ما كتبت، وأتذكر بعض الآمال التي عُقدت ممن حولي... كان أولهم بابا وماما الله يرحمها، والصمت الذي يغلف أخوتي بعد الرفض والشغب لما أجلسهم لأقرأ عليهم حاجة جديدة كتبتها، وتلك الدمعة أو الابتسامة أو التنهيدة التي تنسلّ من أصحابي لما أتلو عليهم بعضاً مني، وتشجيعات أساتذتي في المدرسة ثم الجامعة.. وقررت الهبوط من على سطح القمر الذي لم أصله أصلاً، وقلت: "لا مش ممكن.. مش معقول يعني"!! د

وفي نفس الوقت، كنت أريد أن أعطيه شيئاً، شيئاً كبيراً.. أكبر من الدنيا ومني... لم يكن لديّ أرض، ولا نخلة، ولا مفاتيح الحياة... لا أملك غير القلب والحواديت.. قمت وقطعت ورقة من النتيجة بتاريخ ذلك اليوم قبل أن يبدأ نهاره! وكتبت له عليها:"هذه المجموعة هي أول ما بدا من براعم أفكاري وخيالاتي.. أقدمها لك على استحياء، راجية أن تـُنعم عليها بقراءة لعلها تكون بـرد الندى يفتـقـها باعــثاً فيها روحاً جديدة"... ووقـّعت تحتها توقيعي الذي أخذ مني سنين ليتشكل وكان في كل امتحان يختلف عما قبله حتى ثبت في الإعدادية

ومـرّ كذا مارس، ولا يزال كما هو؛ يأتي في الخانة الثالثة من السنة ولا يتزحزح عنها...!!د

في التعليقات على آخر تدوينة/تدشينة عند "من نفس محمد هشام"، أفشيت سراً من أسراري عن الكتابة وفواعلها فيّ. كان ذلك السر في أحد أعاليه يوم الأربعاء لكن في العشرين من سبتمبر السنة الماضية، السابع والعشرين من شعبان.. لما كنت أكتب
"الرجل ذو الجلباب الأبيض"... كنا مزنوقين في الشغل، وكنت ملتزمة بمواعيد تسليم لم أوفِ بعضها.. وكنت أعمل في كذا موضوع مع بعض وإذا بجلباب أبيض يكتنفني ويبدأ في بسـط نفـسه عليّ بالكامل، وكأنني أتعـجل رمضان قبل أوانه.. بينما تأخذ شلة الصحبة التي تحب الكتابة راحة بتناول الكشري بعد المغرب. بدأت أكتب على الورق بالقلم الأسود الحبر -بالتحديد يوني بول السميك-، كتبت نصفها وتوقفت لألمسها وأتحسس مواضعها في روحي.. ثم وجدت أن الحروف تتسرسب مني ويدي لا تلاحقها.. فأكملت على الكمبيوتر. ولا يحتمل الأوفيس ما كنت أكتبه فيتعطل تماماً!!د
وبالحيلة والأكروبات قدرت بفضل الله أسيـف ما كتبته وأطبعه قبل ما يلفظ الجهاز أنفاسه. كنت تعبانة منها فهي لم تترك لي نفساً، لكن هذا لم يمنعني من إني أجري عليهم لأخبرهم بالحدث الجديد لعلي أتخلص من جزء من حملها برميه عليهم بالقراءة. وكان القرار المفاجئ من
أستاذ أحمد عمار-قبل القراءة- بإننا نذهب لمعرض للشمع.. ونزلت معهم بعد عمل حركات أكروباتية أخرى مع بابا، من المحايلة، والمصالحة، والتنطيط في التليفون وكل ما يلزم ومعروف للبنات اللي زيي ليوافق.. نزلت معهم فقط لكي أقرأ لهم ما كتبت وهي خام، بدون اسم ولا ، ولا لفـة، ولا حلق. وانخرطوا طول الطريق من مصر الجديدة لجامعة الدول في محاولات لحلّ مشاكل الشرق الأوسط، وكسوفي يمنعني من مقاطعتهم لأهمية الموضوع.. فلم يتبق لي في الآخر إلا بضع دقائق على قارعة الجامعة العربية.. هم يأكلون الرز باللبن، وأنا أقرأ حتى وجدت لها اسماً عند محمد

وكانت الفكرة: نعمل جمعية في كتاب.. ثم كان التفكير: نعمل كتاب في جمعية.. ثم كان التنفيذ: نكتب على أول سطر

طلع مـنّا بالطو أبيض القلب يتأمل، وجوافاية بلدي طايبة في انتظار القطف.. وبكرة إن شاء الله يطلع لكم الحنين والشوق والصبح على أول سطر...! د



**************

جزء من مسودة المقدمة قبل التعديل..

أُغلقت الأدراج بعد أن ضمّت قصاصات مكتوبة وأخرى لم يـُشرع في تصنيف طبيعة وجودها. انطفأت الأنوار وانتهى الصخب عند زرار النور

د -"آآآآه، لا أستطيع احتمال حرارة يديه وما كتب فوق خدودي.. أتستطيعين أنتِ؟!"د
د -"ليتني أحوي بعض ما كتبه فيكِ... لقد كتبني في تلك الليلة من ديسمبر لما اكتمل القمر وغابت السحب خلف ملامحه، واختبأت النجوم في جيوب السماء هرباً من السقيع.... كان يوماً قارصاً ولم ينج كيانُه من برودته فأسكن جزءاً منها فيّ إلى الأبد!!"د

وكانت تلك المصفرة التي اختلط فوق سطحها الحبر حتى ذاب في سطورها تنظر إليهنّ وتتابع حديثهن بابتسامة واسعة، وسع عمره وحروفها. وبالتحديد، تراقب تلك الصغيرة التي بدون عنوان وبدون نهاية ولا يوجد فيها غير أول سطر... لا تهدأ ولا ترسو في مكانها وتتنقل بين زوايا الدرج الضيق... عذرتها.. فهي لم تكتمل بعد، تقافزت وهي تقول: د
"ألا يمكن أن يوسع علينا قليلاً.. بل كثيراً... ألا يمكن أن يجمعنا مع بعضنا.. طيب والله فكرة... يلمّ شملنا مع بعض فيحرر حرارتنا وبرودتنا.. وربما ننطلق من زقاق المكتب إلى ميدان السماء...."د

هكذا حدثت "قصاصاتنا" نفسها -من ورائنا-، وهكذا حدثتنا أنفسنا
أيمكن؟؟! د
أيكون؟؟! د
أجائز؟؟! د
أن نجمع خطواتنا، ودروسنا، وعيوننا ، ورائحة ديسمبر والفــُل، وطعم اللارينج بالقرنفل، ولون الدنيا وهي لا تزال طرية بعض المطر كلوحة لم تجف ألوانها؟!د
ألن يكون نشازاً أن نحشد صراخ العيال، وتأوه المحبين، وزقزقة العصافير، وهدير الرعد، وصوت الحكمة الرخيم مع بعضه؟؟
20 سبتمبر 2006
27 شعبان 1427
كنا قد خرجنا للتو من معرض اسمه "قرطبة" واقع في شارع دجلة المتفرع من الفرات وكنا -مع ذلك- لا نزال في مصر. مررنا وراء القمر -الذي كان محاقاً وقتها- في شـارع جامعة الدول العربية.. ننتظره بلهفة أن يهــلّ علينا برمضان. ووقفنا نشارك بعضنا طعم الانتظار، والأرز باللبن، وبنات فكرٍ تحررت على ورقة أحدنا وأخرى لم تتحرر.. لكنها تراود أعيننا فتدمع أو تلمع -كل حسب نوعه؛ بنت أو شاب!! د
كانت القشطة بالعسل على وش الأرز تذوب على أطراف ألسنتنا وتختلط بطعم التجربة، ونسمة عابرة، ومرارة استهلاك بنزين غالي في مشوار قصير

أيمكن.... أجائز؟؟ د
طيب نجرب...... د

والتففنا جميعاً حول القمر..
و..................... د

****************

Friday, December 08, 2006

حمــل الخـُطى

حمــل الخـُطى


تركت خاطري ودموعي الجافة في الدرج وأغلقت عليها. قمت أمشي لا ألقي للخطى بالاً... د
لا.. ولا أرى أمامي غير تلك الخطوط التي تفصل بلاط السيراميك عن بعضه. لا.. ولا أخطو على بلاطة وأترك الثانية كما أحب أن أفعل دائماً منذ صغري.. حيث كان أجمل مكان في البيت عندي هو الصالة -وقت المسح- لما ماما الله يرحمها ترفع السجاد فتظهر البلاطات التي تكبر عن كل بلاطات الغرف الأخرى. كانت تمثل لي تحدياً؛ أن أتخطى بلاطة بالكامل بساقي القصيرة –قبل أن تطول- وأصل للبلاطة الثانية على طرف قدمي دون ملامسة للتي في المنتصف!! د

مشيت لا ألقي للخطى بالاًــــــــــــــــ
منشغلة بقراءة جريدة في يدي دون رؤية. د
خفضت بصري لأرى أصابعي التي شدني لون أطرافها الأحمر: "لماذا؟!".. فرأيته وهو يرفع جسده من السجود.. أحسستُ أنها كانت سجدة من تلك السجدات التي بمقام صلاة الدهر. د
رفع نفسه بثقل ليس فيه
كتفاه منحنيين للأمام من غير عيب فيهما..
رفعهما ورفع رأسه ببطئ عنيد لا يخلو من مسحة خشوع لم ألمحه فيه من قبل أبداً! د
خرج الخاطر من الدرج ندياً بدموع لم تكن جفت

وألقيت للخطى كلَ بالي وخاطري المبلل لما وجدتها تجري عليه لتحمل عنه ما أحنى كتفيه!! د


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Sunday, November 26, 2006

حدوتة موسيقى انسابت في لحنين

حدوتة موسيقى انسابت في لحنين


في يوم من الأيام، وصلت المجلة وصبّحت على الأصحاب الأحباب والزملاء.. لم يكن يوجد في البارتيشن الذي أجلس فيه غيري ولم يكن قد وصل بعد زملائي غير المتوافقين مع النور، فلملمت الستائر وفتحت الشباك الكبير على آخره، ودخلت عليّ الشمس النعسانة تتسكع قبل أن تدخل في سباتها الشتوي، وطلت عليّ شجرة ست الحسن قبل ما تخلع ردائها الأخضر المرقش بالزهور الموف.
ووجدت أستاذ أحمد عمار -الذي يأتي قبل موعد العمل غالباً- يقف أمامي وبيده ورقة. وبدأ يلقي بصوته الجميل الرخيم المهيب؛ كان يصبّح عليّ بقصيدة كتبها في الطريق الصبح بدري. قصيدة جمعت بين الرؤية والجمال والفلسفة.. فزادت الشمس انتعاشاً واستيقظ الشعاع فيها كما استيقظت الدموع الباردة لتقرّ عيني فرحاً بما كتبه أستاذ أحمد.. وأستاذ أحمد هو أخي الكبير جداً والعزيز جداً جداً.. ومش باعرف أتكلم عنه بما يستحقه لأنه أكبر من كده.. أسعد دائماً بإبداعه وتفرده.. وأفرح جداً كلما هـلّ علينا بقصيدة جديدة كتبها في البيت أو في المجلة أو حاصرته في السي تي ايه فاضطر أن يكتبها شتاتا على ما معه من قصاصات ورق.

في ذلك اليوم، كنت أنا على عتبة الكتابة لكنني لم أدخل بعد.. ربما كان تكاسلاً مني لأبدأ، ربما كان فتحي للشباك محاولة لتهيئة الجو لنفسي.. ربما.. وربما كان حضور أستاذ أحمد وقصيدته وما بثته فيّ من سعادة وشجن هو ما جعلني أدخل بدون استئذان ولا دق الباب. فبدأت فوراً وكتبت ما رأيته في طريقي أيضاً.. "بحدّ رمش وطرف خيط"... وجريت على أستاذ أحمد فهو أول من أحب أن أطلعه على خلجاتي لما تخرج على الورقة في المجلة. تركتها عنده ولم أقرأها له كما اعتدت أن أفعل معه بالتحديد. ربما لأنه لم يزل صوته وإلقاؤه يرنّ بداخلي ولا أستطيع أن أضاهيه أبداً فهو "أستاذ"، وربما لأن ما أكتبه ليس بجمال كتابته، فهو يسكب موسيقى على السطور أما أنا فأسكب كلاماً ربما لا أنجح في نقل موسيقاه التي أشعرها... ولن تساعدني موسيقاي كما تساعده..
تركت ما كتبت عنده ورحلت... وغاب أستاذ أحمد فقلت إنه بالتأكيد مشغول ولم يقرأها بعد.. لكنني فوجئت به يأتي بها ومعها ورقة أخرى. فقد وجد في العنوان موسيقى أثارت لديه موسيقاه فعزف لحناً آخر من نفس النغمة؛ بحدّ رمش وطرف خيط!! د


*******************

بحـدّ رمش وطرف خيط



وقفتُ على المحطة في انتظار أن يعطف عليّ طويل القامة وعريض الجبين ويهلّ عليّ سواء مكيف أم تكييفه عطلان!! أو أي "فرج" يمشي عل أربع عجلات.

كنت أحسّ بإحساس قدييييييم، قدم الطفولة والبهجة والصبح.. إحساس بأن اليوم هو أول أيام المدرسة عند التلميذ النجيب! الإحساس الجميل والشقي الذي كان يدغدغني في صبح أول يوم من المدرسة كل سنة. كان طويلاً وممتداً؛ يبدأ أول ما يكتمل زيي المدرسي وأضع بجانبه الحذاء الأسود بالابزيم وجواه الشراب الأبيض القصير بشرائـط الدانتيل.. ومعهم تستند الشنطة الجديدة على حرف السرير في انتظار امتلائها بالكتب.. كان يلونني بلون الصبح، والكراريس والضحكة والتوجس من كل من له أظافر غير نظيفة، كل ما كنت أنظر للشنطة، وكلما كنت أتخيلني وأنا نازلة بها، لابسة كل لبسي الجديد. تلبّسني ذلك الإحساس رغم الزحام والغبار والضيق.

ولمحتهما...د
جاءا غير متشابكي الأيدي يمشيان على مهل لافت لا يتماشى مع السحاب والزحمة. وقفا على المحطة أمامي لا يجمعهما "معـاً" الحب... ولا يجمعهمـا "معـاً" التواصل الشفيف بين روحين اتفقتا على أن يجتمعا. بل جمعهما وهـجُ البدايات المبهرج الأخاذ.
شكله يتحدث هدوءاً وتـُقى ورغبة صادقة في أن يكون كله لها فكان يملي عينيه منها بحق. وشكلها يتحدث لا-شيء له، وأشياءً كثيرة لا تعنيه.

نظرتُ إلى يديهما فرأيت الدبلة تسكن اليمين.. ابتسمت وأغضمتُ عيني لأرفــع –لأجله- أمنية إلى السماء. لكن شكل الدبلة كان ناشزاً على الأصابع وكأنها لم تألفها.. أو ربما هما اللذان لم يألفاها بعد!!د
يحيطها بكيانه وابتساماته ويحتويها بأمانيه الخالصة المشعة من عينيه العسليتين. يحاول جاهداً أن تعبرها مشاعره وتتشابك مع مشاعرها. وتجيد هي جداً التمثيل والحياكة، فتشبك طرفاً من مشاعره وتترك ثلاثة أطراف. ثم تبتعد بعينيها في مشهد من الكسوف وتلقي برموشها على الأرض فيسرع هو ليلتقطها ويقدم المزيد!د

وخزتني شقفة وخوف عليه -هو- من مجاهل بكرة... ونظرت للشنطة المستندة على حرف السرير متمنية ألا تمتلئ بغير الكتب وألا أنزلها من على ظهري، وألا أخلع الشراب ذي الشرائط الدانتيل أبداً!!د

دعاء سمير
******************


طـوق نجـاة



بحدّ رمش وطرف خيط
بصيت على البستان لقيت
زهرة وعود مايل على جبينها
بيملّي عينه من سمار عينها
ويقول لها: د
د"محلاك يا معنى الحياة" د
فتبص له
وتقول: "حبيبي
الحب عندي طوق نجاة" د

أحمد عمار
************************

Thursday, November 16, 2006


بطعم الشتا




كان الضجر عريان..
والأصوات لم يعد لها إيقاع. وارتمت المعاني في حضن الرطوبة الساخنة حتى تبخرت في الهواء.
فتحت ملف الصور وأخذت أتجول فيها لعلّي أنبسط قليلاً. وجدت بعض الصور فضيت من ملامحها. نظرت في وجوه أصحابها أبحث عنهم.. فلم أجدهم أيضاً
قفلت.. لست في حالة تسمح لمزيد من الاكتئاب الآن!د
وعدت أدراجي لما كنت أقوم به

............
..................
..............

فتحت موسيقايا... "نفسي في فيروز، طالبة معايا فيروز" -هكذا حدثتني نفسي
د"طلّ وسألني، إذا نيسان دق الباب
خبيت وجهي وطار البيت فيّ وغاب
حبيت أفتح له..
ع الحب أشرح له
طليت ما لقيت غير الورد عند الباب.."د
نفسي أسمعها...
لأ..
نفسي أسمع "لا إنتَ حبيبي ولا ربينا سوا"...د
لأ..
لأ...
طيب "صباح ومسا...."؟؟
لأ...

الأغاني التي أردت سماعها كانت بطعم الشتا.. و-بالتحديد- بلون الليل جداً أو الصبح جداً والدنيا نعسانة وضبابية، وبرائحة المطر لما كانت له رائحة
لم أكمل سماع دقيقتين من كل واحدة
في كل مرة كان يستلل لي الشتا قبل الأوان.
نفسي الشتا ييجي... لكن أنا لا أريده داخلي مع إن برده كفيل بأن يطفئ الأتون الذي ثار!!د


*** ** ***


نظمت مكتبي. وحركت الورد من جانبي لأمامي. ثم خفضت التكييف لأقل درجة.. وأطفأت الأنوار الزائدة وما أكثرها. وأخرجت الناس الذين لن يحب هذا "الوجود" تواجدهم!!د

تساقط الثلج في أذني
سرت قشعريرة في قلبي ومنه لباقي جسدي حتى بردت يداي الدافئتان
ارتعشت.. وانتفضت بألفة
أغمض عيني فجأة لأجدني في منتصف:د
د"بيقولوا الحب بيقتل الوقت
وبيقولوا الوقت بيقتل الحب
يا حبيبي تعا تـنروح قبل الوقت وقبل الحب
بديت القِصة تحت الشِـتا
بأول شـِتا حبـّوا بعضهُن


ـــــــــــــــــــــــ


Friday, October 20, 2006

الرجل ذو الجلباب الأبيض




دار الكون دورته
وتوالت الأيام

وقف طويلاً في انتظار دوره دون مزاحمة لمن كان قبله. بل تركه يظلّ في الدنيا كما شاء الله ولم يستعجل عليه لما آن موعد رحيله، ولم يتذمر لما تأخر في لمّ آخر أطرافه!د
ثم دخل بأول الليل.. يمشي الهوين
وظهر معه هلال رفيع مبهج في طرف السماء
لم أر الهلال ولم أشعر به وهو يدخل أول الليل.. ونمت بدري على غير عادتي رغم انتظاري وشوقي له. ورغم أني حفظت له الكثير والكثير من الرؤى لأبثها له لما يصل فيرفعها مع الملائكة إلى الله

نمت.. ولم أشعر إلا بأصابع طويلة ناعمة تلمس جبهتي الساخنة
فتحت عيني مبتسمة لحبي لتلك الحركة التي كنت أنام بها وأنا صغيرة إذا رفضت النوم كما حكت لي ماما رحمها الله، وكما يحكي لي بابا إلى الآن
فتحت عيني ورأيته
لم يكن بابا
بل كان هو... ذلك الذي طال انتظاره حتى اقترب اكتمال دوران الأرض حول الشمس

كــــان هو..
رجل كبير من غير عجز واسعٌ وعريض. وثوبه فضفاض أبيض ناصع، وطويل مسيرة شهر بالليل والنهار. وجيوبه مليئة حواديت وحب وكرم ورحمة

أحسست بضآلتي في حضرته.. لم أستوعب أن يأتيني على هذا الشكل. ولم أكن أتخيل أن يأتيني على الأرض وفي بيتنا وبجانب سريري. اعتدته دائماً عالياً في السماء؛ مع السحاب، وفوق المآذن، والقباب، وفي الأدعية. لكنه حتى على الأرض كان عالياً!د

أجلسني.. وأنا لا أزال أشعر برطوبة أصابعه على جبهتي المحمومة. وفرد لي جلبابه العطر ففرش البيت وامتد إلى الشارع وكل الأماكن. والتمع بياضه فانعكس على الدنيا وأنار لمبات الزينة المعلقة حتى ظننت أن الشمس تزاحمُ الهلالَ الرفيعَ في السماء. وهبت نسمة سعيدة بين القلوب تحمل سلامات وأشواق الأرواح التي رحلت

عاتبني لأنني لم أنتظره..
د -"تلك هي المرة الأولى التي أجيئك فأراكِ نائمة!"د
د-"لم أكن نائمة.. غشاني الليل وخوف من أنك قد لا تأتي، وغفت عيني بلا نوم".د

نظر لي بعينه الواسعة وكأنه يقول لي: "لم تقولي الحقيقة كاملة"..
ارتبكت...
وعلت درجة حرارتي ولم أعد أشعر بأصابعه على جبهتي..
إإإمممممم...... كيف أقول له إنه لم يعد كما كان؟؟!!د
كيف أقول له إنه تغيّر؟!د
وكيف لي -أصلاً- أن أعرف أنه تغير وأنا لأول مرة أراه أمامي؟؟د
هكذا حدثت نفسي

وكعادتي فشلت في مداراة ارتباكي...

تململت في جلستي... وتشاغلت بالنظر إلى ثنايا ثوبه الفضفضاض وجيوبه العامرة

أشاح بوجهه عني فارتعش النور في الدنيا
خفت أن يرحل
فقلت له كما قلت لنفسي:د
د"أنت لم تعد كما كنت، ولا أدري إذا كنت أنت الذي تغيرت أم أنني لم أعد أشعر بك كما يجب؟؟!!"د
ابتسم ابتسامة واسعة لم يستطع امتدادُ بصري أن يدرك أطرافَها.. وفرد ثوبه أكثر حتى رأيت تحته أثواباً أخرى مكتوب عليها بماء الورد ولون النجوم. وهبت مع النسيم روائح عتيقة منعشة اختلطت فيها رائحة الصبح -لما كانت له رائحة- برائحة الخبيز والريحان والدفء

اقتربت منه دون أن أدري وتاهت روحي في بياض أثوابه.. وشممت -بقوة- رائحة السلامات والأشواق التي بين القلوب من الأرواح التي رحلت

وفي انعكاس بياض أحد أثوابه رأيتني صغيرة بذيل حصان قصير...
ماما تنادي علينا
د- بابا جاب الفوانيس يا أولاد.. تعالي يا ديدي شوفي تختاري لون ايه؟؟
د- هيييييييييه
د- أنا هاخد اللون الروز يا ماما
كان "الأولاد" أنا وأخي محمد فقط.. ويختار محمد اللون اللبني.. وأسأل بابا لماذا لا يكون بداخل الفانوس البلاستيك شمعة.."أنا عايزاه بشمعة يا بابا"..د
د- ما هو فيه لمبة وبحجارة وبينور أهو!!

نطفئ النور... "حالوا .. يا حالو.. رمضان كريم يا حالو".. وندور في البيت وبين الغرف ونخبط في بعض ونتعثر في البوفيه والسفرة..
محمد يرغب في تبادل الفوانيس للحظة..
د- أنا هاخد بتاعك ألف بيه لفة وإنتِ خدي بتاعي لفة -وكأن فانوسي غير فانوسه!!د
د- ماشي
ويلعب محمد فيه ويخرج اللمبة من مكانها ويطلع السلك!!د
وآخذ فانوسه بأمر من ماما وبابا عقاباً له على إهماله.. وأنشغل طول رمضان في إمكانية تبديل جسم الفانوس لآخذ اللون الروز بتاعي!! وماذا لو فكيييييت.. وووو......د

حملتني رائحة ثوبه لمكان آخر لأراني بضفيرة طويلة أتنقل بين "أوضة الخزين" وبين المطبخ...

د- هاتي البيض والخميرة معاكِ يا فلة
د- حاضر يا ماما
د- واقفلي الباب على بابا عشان يعرف ينام
د- حاضر
د- وقولي لأحمد وعمرو يقعدوا ساكتين وبلاش إزعاج
د- قلت لهم

كنا في الأسبوع الأخير من رمضان، يتم تحويل "أوضة الخزين" الكبيرة لغرفة عمليات حيث يتم الإعداد للعيد. كحك سادة وبعجمية وعين جمل، وبسكوت، وغريبة، وبيتي فور، وقراقيش بالعجوة بكميات كبيرة وكراتين مجهزة بعناية لعملية الحفظ. ماما تجهز العدة وأساعدها ويبدأ العجين الذي أشارك فيه بالفرجة والتعلم ومناولة المكونات وعدّ البيض، وضربه، وكيل الدقيق. وبعد الاختمار كان يأتي أجمل جزء وهو تقتطيع وتشكيل العجين.. كنت أتفنن حتى تكتمل استدارة الكحة. وأتفنن في ابتداع النقوش على سطحها. وأشعر بفرحة غير مبررة وأنا أحس بوجه القراقيش يطرى وأنا أدهنه بالبيض وأرشه السمسم!!د

د"الله.. العجوة شكلها جميل وريحة السمن تحفة.. تبقي تاكلي منها بعد ما تفطري"... د
كل يوم من أيام الكحك والبسكوت كنت أقول لنفسي نفس الكلام. وأذكر إنها مرة واحدة التي تذكرت فيها وأكلت كور العجوة، لكنها لم تكن بنفس الحلاوة التي بدت لي وأنا صائمة!!د
ثم تأتي التسوية... التي كنت أقوم بها تحت إشراف ماما بعد تلقي الإرشادات والتحذيرات الأولية

فتحت الفرن.. انطلقت رائحة النشادر.. فدمعت عيني واقشعر جسدي و...... د

لفني بياضُ ثوبه مرة أخرى بطريقة مختلفة

وامتددت معه إلى الشارع.. وقد أصبحت فتاة أصغر مما أنا الآن راكبة السيارة مع بابا وأخواتي لوحدنا قبل المغرب وداخلين على الميقات للإحرام للعمرة. بابا يقول:د
د- خلاص يا أولاد.. باقي ربع ساعة على المغرب ومش هتلحقوا تحرموا
أقاطع بابا لما تحمس محمد وقال: "لأ هنلحق":د
د- لأ.. مش هتلحقوا، لسه الوضوء ولبس الإحرام وبعدين ترجعوا تحطوا لبسكم وبعدين تروحوا تصلوا وتنووا.. أنا على بال ما أجهز الفطار المغرب هتكون أذنت

كان الفطار بالخشاف الذي أعددته من البيت كاملاً ولا فرق بينه وبينه فطار البيت غير إننا نتناوله في استيشن السيارة.. بابا ينظر لي نظرة رضا ويأخذ نفسا وهو يقول:د
د"تسلم ايديك يا فلة.. كأن ماما الله يرحمها هي اللي موجودة ومجهزة كل حاجة"..د
ويداعبني عمرو أخي بقبلة وأحمد بخبطة على الظهر ثقيلة.... و....د

غمرني ثوبُ جديدٌ من أثوابه...

لا أزال تلك الفتاة لكنها أكبر قليلاً... ولا تزال أثوابه طويلة ممتدة لكن مسيرة كل ما فات من الزمن! د
الأطفال يطرقون على باب البيت ويطلبون فلوس الزينة... ندفعها بفرحة وأشعر أن علينا أن نعطي أكثر مما يطلبون... قليلة هي كلفة الزينة.. ويمر يومان ليطرق نفس الأطفال والشباب بابنا طالبين من أحمد وعمرو أخوتي الأصغر أن يمسكوا بأطراف حبل الزينة وسلك الكهرباء لربطه في المنشر
أستيقظ للسحور ولا أنام.. وأخرج بدري-بدري والشوارع لا تزال نائمة لأذهب إلى المجلة.. أستمتع بمشاهدتي للفوانيس المعلقة بكل الأحجام في انتظار من يعطف عليها بالاقتناء...

اليوم هو الخميس... يوم تحميل العدد الجديد... حيث لا أمل كبير في إننا نفطر في بيوتنا. نطلب أنا وأصحابي الطعام ولأول مرة أكون مسئولة عن جمع الرغبات وحساب الفلوس. وأحتفظ بالورقة الكبيرة وأكتب عليها التاريخ فهو يوم من الأيام التي أحسست فيها برمضان

لم يعد بياض ثوبه ممتداً لمسيرة شهر، أو مسيرة ما فات فقط...!!د


***************



كان واحشني أوي و..مازال.. فكتبتها قبل ما ييجي.. و أخيراً خدت الإفراج قبل ما يمشي

التربية بالنتائج.. حتى لا نكون مثل صاحب الجنتين

  التربية بالنتائج..!!د  حتى لا نكون مثل صاحب الجنتين  (1) RBM الإدارة بالنتائج: ا ستراتيجية للإدارة تقوم على وضع أهداف محددة منذ البدء وتصم...